
الفصل الخامس والعشرون
كيف تنام العيون وقد فقدت كل الأحبة فى ليلة واحدة , كيف ترتاح القلوب بين الصدور اللآهجة ..ألتف الجميع حول النساء الثكالى فى بيت أم فارس محاولين أن يخففوا عنهم ولكن كيف السبيل لذلك ..دفنت مُهرة وجهها فى صدر أم فارس تبكى وهى تستمع لكلام عزة وعبير عن ما حدث معهم هم أيضا فى بيوتهم قبل الفجر , كل منهن تبكى دماً بعد أن جف نبع دموعهن ..الناظر إليهن لا يعلم من يواسى من , ومن يطمئن من , ومن يربت على كتف من .. الجميع مكلومين فى أحبائهم , كل منهن تحتاج إلى صدر حنون يضمها ويطمئنها على رفيق دربها
ولقد كانت مُهرة هى ملهمتهم فى ذلك عندما ألقت نفسها بين أحضان أم فارس تبكيه وتخفف عنها فى نفس الوقت..كذلك فعلت عبير عندما ألقت نفسها فى حضن أم بلال وكذلك فعلت عزة وهى بين ذراعى أم عمرو وكأنهن بهذه الأحضان يتساندون ويشدوا أزر بعضهم البعض فالمفقود واحد .. ألتف حولهن بعض الجارات يستمعون لماساتهم محاولين التخفيف عنهن ومواساتهن ببعض كلمات الصبر …بينما ذهب الرجال يبحثون عنهم فى كل الأقسام وبنايات أمن الدولة المبعثرة فى كل مكان , وفى النهاية عادوا بخفى حنين ..لاشىء ..غير موجودين فى أى مكان بشكل رسمى
وقف والد عمرو على باب شقة أم فارس من الخارج هو وبعض الرجال وقال بغضب وهو يكاد يمنع نفسه من البكاء بصعوبة هاتفاً :
– لفينا الاقسام كلها وروحنا كل مبنى بيقولوا عليه بتاع أمن الدولة.. وبرضة مفيش حس ولا خبر عنهم هما التلاتة هيكونوا ودوهم فين يعنى
رد والد عزة بحنق :
– للدرجة دى أى حد يتاخد من بيته بسهوله كده ويختفى ومالوش أثر ..أحنا فى مصر ولا فى شيكاغو
تدخل محمود أخو عمرو قائلا :
– أنا عارف كل ده ليه علشان اصحابه مربين دقنهم
أجابه يحيى :
– طب وأيه المشكله يعنى
قال محمود :
– المشكلة ان أى واحد مربى دقنه يبقى أرهابى وش
هتف مينا أبن العم عامر جارهم قائلا:
– يا سلام طب ما أحنا عندنا القس مربى دقنه هو الموضوع بالدقن يعنى
تمتم محمود حانقاً :
– يا عم انتوا مسيحين أحنا بنتكلم على المسلمين دلوقتى
قال عامر بحزن :
– يابنى انتوا جرانا من زمان وعمرنا ما شوفنا منكم حاجة وحشه .. فارس وعمرو وصاحبه بلال اللى زى المرهم ده.. يتعمل فيهم كده ليه ..أرهاب أيه وبتاع أيه .. الأرهاب ده مبنشفهوش غير فى الافلام والمسلسلات
ربت الحاج عبد الله على كتف عامر وهو يقول مؤكدا :
– معاك حق والله يا عامر متزعلش من محمود ميقصدش
قال والد عمرو مقاطعاً :
– طب دلوقتى هنعمل أيه.. هندور فين ولا هنلاقيهم ازاى بس يا ناس
أنتبه يحيى فجأة وقال :
– هى مش مرات الأستاذ فارس محامية.. أكيد هى ممكن تعرف تتصرف هى والمحامين اللى فى مكتبه
تقدم والد عمرو بسرعة وطرق باب الشقة المفتوح وهو يقول :
– يا ست أم فارس أومال مرات الأستاذ فارس فين ..أكيد هى محامية وهتعرف تتصرف
رفعت عزة رأسها من صدر أم عمرو وقالت بلهفة :
– ايوا يا طنط الله يخليكى هى فين يمكن تعرف تلاقيهم
صوب الجميع نظره إليها , حتى مُهرة رفعت رأسها تنتظر جوابها فقالت وهى تمسح دموعها بكلتا يديها :
– مرضتش أتصل بيها وهى لوحدها وابلغها.. أتلهيت فى اللى حصل وخفت اقولها وهى لوحدها يحصلها حاجة ..كلمتها بس وقولتلها تيجى ضرورى ومش عارفة اتاخرت ليه لحد دلوقتى ؟!
أستندت عبير إلى ظهر أريكتها وأغمضت عينيها المتورمتين من البكاء فى حسرة وقد لاحت صورته فى عقلها وومض به قلبها وهى تستمع إليه وهو يقول لها بمرح :
– أوعى تاخرى الصلاة مرة تانية فاهمة ولا افهمك بطريقتى
وجدت الأبتسامة المتألمة طريقها إلى شفتيها وهى ترى ملامحه المداعبة لها وهى تتذكره وهو يداعب أطفاله بشغف طفولى ويجرى بينهم وهم يحاولون أمساكه ولا يستطيعون فيقفز ليعبر واحدا ويلتف حول الآخر بخفة ويجرى من الطفلان الآخران بسرعة ليدور حول المائدة وهم يدورون خلفه ويسقطون من فرط ضحكاتهم المجلجلة قبل أن ينجحوا فى الأمساك به أخيرا فيتكاثروا عليه ويتصنع هو السقوط فيتكالبون فوقه وهو يصرخ بمرح مستنجداً بها أن تنقذه من بين براثنهم .
فرت دمعة من عينيها واعتصر قلبها من الألم ..دخلت دنيا شارعهم وهى ترتدى نظارة سوداء تخفى بها عينيها وجزء كبير من وجهها ومرت بين نظرات الناس حولها المشفقة عليها ومما حدث لزوجها فجراً .. صعدت الدرج فى اضطراب وهى ترى الرجال مجتمعين أعلى الدرج أمام شقة زوجها.. تنحوا جانباً عندما رأوها وهم يقولون :
– قلبنا معاكى يا بنتى
عبرت من بينهم ودخلت الشقة لترى هذا الجمع الغفير من النساء وترى مُهرة بين ذراعى أم فارس وعيناها تكاد تختفى من كثرة البكاء ودموعها التى لا تجف ..كان الوضع أشبه بمأتم أجتمعت فيه النساء فقالت فى تلعثم :
– خير فى ايه يا طنط ايه اللى حصل
نظر لها الجميع بإشفاق حتى مُهرة نظرت لها برحمة وشفقة وهى تتوقع رد الفعل بعد علمها بما حدث ..وقفت أم فارس واقتربت منها وهى تبكى وقالت :
– فارس خدوه يا دنيا.. دخلوا علينا قبل الفجر وخدوه من وسطينا
قالت باضطراب وهى متوترة :
– هما مين دول؟
نظر لها الجميع بدهشة كبيرة فرد فعلها لا يتواكب مع ما تسمع من والدته بينما قالت أم فارس :
– بيقولوا أمن الدولة يابنتى.. ومش هو وبس لا كمان خدوا عمرو وبلال معاه
كان لابد أن تظهر بعض رد الفعل وإلا شك بها الجميع فتصنعت البكاء ولكنها لم تخلع عنها نظارتها السوداء حتى لا يعلم الجميع بخداعها ..أستندت إلى الحائط وأخذت تشهق بقوة وهى تضع يدها على فمها ..ربتت أم فارس على كتفيها وهى تقول :
– امسكى نفسك يابنتى ده انتِ اللى المفروض تقوليلنا نعمل ايه أحنا مش لاقينه فى أى حته
تماسكت دنيا سريعاً وتناولت منديلاً لتجفف دموعها التى لم تنزل أصلاً وهى تقول :
– معاكى حق يا طنط ..أنا هدور عليه فى كل حته لحد ما الاقيه عن أذنكم
وخرجت سريعاً وهى تشعر أن بكائهم قد أصبح لعنة تطاردها أينما ذهبت .. نظرت النساء إلى بعضها البعض متعجبةً من رد فعلها ولكن عادوا إلى ما كانوا عليه منذ قليل ..كلَ يبكى على ليلاه.!
***
عادت دنيا إلى بيت والدتها وأول ما فعلت أجرت اتصالاً هاتفيا بباسم الذى أجابها بسأم شديد :
– أيوا يا دنيا خير ؟
قالت فى سرعة :
– عاوزه اطمن عليه .. وأطمن أمه
زفر فى ضيق وقال حانقاً :
– هو طلع رحلة يا دنيا وعاوزة تطمنى عليه ..أنتِ عارفة كويس هو فين ولا ناسية
هتفت بغضب :
– أمه هتموت نفسها عليه حرام عليك
صاح غاضباً :
– هتعمليلى فيها حنينة ياختى ولا أيه..
ولا تكونى ناسية انك انتِ اللى بلغتى عنه يا ام قلب حنين
تحشرج صوتها وقالت ببكاء :
– عارفة انى أنا اللى أتزفت وبلغت.. بس عاوزه اطمن امه .. أنت وعدتنى محدش هيأذيه
رفع حاجبيه مندهشاً من كلامها الذى هو عكس تصرفاتها تماماً وقال ساخراً:
– والله انتِ لُغز يا دنيا.. طب لما انتِ قلبك عليه كده وافقتى ليه من الأول
هتفت باكية :
– علشان هو اللى اضطرنى لكده بغباءه ومثاليته الزايدة.. فاكر نفسه عايش فى الجنة
صمت باسم قليلاً ثم قال بهدوء حاسم :
– بصى يا دنيا..
أنا هتكلم فى الموضوع ده لآخر مرة علشان زهقت منه ومش عاوز وجع دماغ تانى ..فارس هيفضل فى المعتقل لحد ما القضية تتقفل وتخلص خالص .. يعنى أربع خمس شهور بالكتير.. وصلى الكلام ده لأهله بطريقتك المهم متوجعليش دماغى تانى.. فاهمة؟
أبتلعت ريقها بصعوبة وهى تحاول تنظيم أنفاسها وهى تمسح دموعها بتوتر وقالت :
– طب وهنعمل أيه فى القضية؟
رفع حاجبية متهكماً وقال :
– أيوا هو ده المهم دلوقتى.. كده انتِ دنيا اللى انا اعرفها …ركزى معايا كده وفتحى مخك ..
أستمعت إليه باهتمام وتركيز وهو يقول :
– أولا مفيش مخلوق فى المكتب عندكوا هيعرف بحكاية الاعتقال دى ..ولا حتى الدكتور حمدى وكويس أن نورا أجازة علشان هى اللى هتعمل قلق ومكنتش هتسكت ..دلوقتى انتِ المسؤلة عن كل حاجة فى المكتب ..وده فى صالحنا ..علشان كده عاوزك أول حاجة تعمليها أول ما تروحى المكتب النهاردة تكلمى الراجل صاحب القضية وتبلغيه ان فارس طالب الأتعاب وبعد ما توصلك الفلوس هقولك الخطوة اللى بعدها
قالت معترضة :
– لاء لازم أعرف كل حاجة دلوقتى
زفر بقوة ثم قال بملل :
– هقولك ..أنا خلاص وصلت لسكرتير النيابة اللى هيسحبلنا الورق المطلوب من ملف القضية قبل ما تروح على المحكمة ..وهتفاوض معاه النهاردة على المبلغ اللى هياخده .. ومش كده وبس ..أنا كمان وصلت لشهود الأثبات وبرضة هتفاوض معاهم على المبلغ ..
والفلوس اللى هتاخديها من الراجل فى اقرب وقت هنكيشهم منها .. وكده لا هيبقى فيه دليل ولا شهود والحادثة هتبقى قضاء وقدر..ومش مقصودة والواد يطلع من عقوبة القتل العمد وبعد كده ممكن نفاوض أهل القتيلة لما يبقوا فى موقف الضعيف وممكن ساعتها يتنازلوا بقرشين وتبقى القضية بخ.. فهمتى
قالت بشك :
– طب ماهو محامى البنت اللى ماتت ممكن يقدم فى المحكمة صورة من الورقة اللى هتتاخد دى وساعتها يتهمونا بالتزوير
قال بثقة مخلوطة بالسخرية :
– وانتِ يعنى فاكرة أن حكاية زى دى تعدى عليا ..المحامى بتاعهم أطلع على القضية بس ومصورش منها نسخة يعنى مفيش فى أيده ورق ضد يتكلم بيه..فهمتى يا فالحة
أعتدل فى جلسته ولمعت عينيه بخبث وهو يقول :
– ومذكرة المرافعة انا اللى هكتبهالك وهتحفظيها زى ما هى كده علشان تجلجلى بيها فى المحكمة ولما الحكم يتغير شوفى بقى ساعتها أسمك هيلمع ازاى ..
لمعت الفكرة فى رأسها فلقد عرف باسم كيف يقضى على النبضة الأخيرة من نبضات ضميرها .. تخيلت حكم البراءة وكيف سيلع أسمها بعد ذلك فى سماء المحاماة لتتهافت عليها القضايا كما حدث مع فارس ويقصدها الناس ولكنها لن تفعل مثله , لن تعيش بمثاليته التى دمرته وستدمره , سيكون الحكم الوحيد فى قبول أى قضية هو الأتعاب , فقط ليس إلا ..
وستخطو فى نفس طريق باسم فى حل القضايا الشائكة … وضعت الهاتف بجانبها وقد نسيت تماماً أمر فارس , ولم تعد تذكر إلا مستقبلها فقط ..والذى ستجنيه من خلفه
حل المساء على النساء وحالهن هو البكاء .. لا يزلن مجتمعين فى بيت أم فارس ما بين متضرعة وباكية ومنهارة ..مُصابهن واحد , يتلمسن أى خبر ولو غير مؤكد أى شىء يطمئنهن على الأزواج والأحبة ورفقاء الدرب ولكن لاشىء ..كأنهم اختفوا وذهبوا جميعاً ..خلف قرص الشمس ..ولم يعثروا على أجابة شافية من أى جهة ..الأجابة الوحيدة التى وجدوها كانت عن طريق دنيا , بعد أن أبلغتهم بها فى الهاتف وقالت :
– عرفت أنهم فى المعتقل.. بس لسه مش قادرة أحدد مكانهم بالظبط ولا حتى قدرت أعرف تهمتهم أيه ..
ثم أردفت وكأن أمرهم لا يعنيها :
– انا هفضل بقى فى بيت ماما لحد ما نعرف طريقهم هناك بتحرك أسرع ..سلام
وقبل منتصف الليل بقليل نهضت أم عبير وهى تمسك بيد أم بلال قائلة :
– يالا يا حجة أحنا هنروح تعالى معانا
قالت أم بلال وقد بلغ منها التعب والحزن مبلغهم :
– مينفعش يا أم عبير أنا هروح البيت
قالت أم عبير بتصميم:
– لاء هتروحى لوحدك فى البهدلة اللى حصلت دى أزاى.. طب على الاقل باتى معانا النهاردة
تدخلت عبير وقالت لوالدتها :
– معلش يا ماما انا كمان هروح بيتى .. ثم نظرت أمامها فى شرود وهى تقول :
– بيت بلال ميتقفلش أبدا مهما حصل
ذهب الجميع وتركوا أم فارس وحدها على وعد اللقاء فى اليوم التالى لبداية رحلة بحث جديدة …ذهب الجميع وبقيت مُهرة بجوارها بعد أن قالت أم فارس لوالدتها وهى تتشبث بها فى حضنها :
– سيبيها معايا النهاردة يا أم يحيى
أغلق باب الشقة عليهما وحدهما ..ظلت مُهرة بحضنها تتلمس فيها رائحته بينما ظلت أمه متشبثةً بها تتلمس فيها قلبه …رفعت مُهرة رأسها قائلة :
– يالا يا طنط قومى ارتاحى فى اوضتك شوية ..أنتِ تعبانة أوى
نهضت أم فارس بمساعدتها ولكنها قالت :
– لا انا عاوزه انام فى أوضة ابنى
ثم عادت للبكاء مرة أخرى وهى تقول :
– وحشنى أوى يا قلب امه
أنهمرت الدموع من عينيى مُهرة وهى تحاول تهدئتها وتقول بصوت متقطع:
– أنتِ كده هتتعبى بزيادة وكمان مخدتيش الدوا النهاردة ..
أخذتها مُهرة إلى غرفته .. كانت مبعثرة أشيائها وأثاثها نتيجة الاقتحام الغاشم المباغت ..
عدلت مُهرة من وضع الفراش وساعدتها على الأستلقاء فوقه وجلست بجوارها وهى لا تعلم هل تداوى جرح أمه أم تداوى جرحها الغائر .. تناولت والدته الدواء من يدها وأغمضت عينيها بعد أن شعرت أن سقف الغرفة يدور حول نفسه وراحت فى سبات عميق ..
ظلت مُهرة تنظر حولها تتلمس أشياءه المبعثرة فى تأثر ودموع صامته حتى غابت عن الوعى وهى تجلس على مقعده خلف مكتبه الصغير ..أبت أن تنام على فراشه التى تقاسمه فيه امرأة أخرى , خافت أن تشتم رائحتهما معاً ممزوجة فى بعضهما البعض ..كانت تعلم أنه لايسمح لأحد غيرها بأن يعبث بمكتبه لذلك فضلت أن تنام خلفه وهى متأكدة أنه لم يلمسه بعده سواها. ***
لا يستطيع أن يتكلم أحد عن الظلم إلا من ذاق مرارته ولا يقدر أحداً على وصف الظلام الا من عاش فيه …كانت غرفة أقل ما يقال عنها نتنة الرائحة تفوح منها رائحة النجاسة لا يوجد ولا حتى نافذة صغيرة ,لا يوجد إلا بصيص نور صغير يأتى من أسفل عقب الباب الحديدى لا يصدر عنها سوى صدى صوت الأنين الهامس والتأوهات الخافتة التى تخشى من الظهور رغم عِظم اللآلم… والصمت هو سيد الموقف … لا يقطعه سوى تمتمت بلال لبعض آيات القرآن … همس عمرو فى أذن فارس قائلا:
– أحنا هنا من امبارح ومحدش قالنا تهمتنا أيه ولا حد عبرنا
مال فارس على أذنه وقال همساً :
– شكلنا كده مش جايين هنا رسمى وإلا كانوا حققوا معانا
شق الصمت صرير المزلاج الحديدى وهو يدور ليفتح من الخارج ويُرمى على الأرض شخصاً آخر لا يعرفونه..
شهق الجميع وانتفضوا عندما دققوا النظر به ..لقد كان عارياً تماماً ومؤخرته تنزف دماً …كان الرجل يأن أنات متواصلة دون أنقطاع وهو مازال مكانه لم يتحرك ..تردد بلال قليلا ثم اقترب ببطء وهو يتفحص وجهه فوجده متورماً تماماً حتى أنه لا يستطيع لأحد أن يتعرف على ملامحه أو يميزه …حاول بلال المساعدة ولكن الرجل انتفض للمسته لذراعه ثم زحف إلى ركن من أركان الزنزانة بعيدا عنهم وظل يبكى
ويأن حتى انقطع صوته تماماً فظنوه قد نام من التعب من شدة التعذيب … أنتفض عمرو وقد أدرك أنها النهاية ..حاول بلال أن يسرى عنهم وقال :
– متخافش كده يا عمرو أحنا مش متهمين فى حاجة
نظر إليه فارس
وقال بحدة :
– يعنى المسكين ده كان متهم فى ايه يعنى يا بلال هى وصلت للدرجة دى
شق الصمت الغرفة صوت آخر ولكنه آتى من الخارج … صوت صياح رهيب وأصوات تصرخ وتستغيث شق سمعهم وانتفض له قلوبهم وخصيصاً أنهم استطاعوا تميز أصوات نساء تصرخ صرخات غير منقطعة وتستغيث … هب عمرو واقفاً بحركة لا أرادية
وهو يقول :
– ده صوت ستات ..أنتفض قلب كل واحداً منهم وقد حل فى عقولهم صور زوجاتهم ..
كان هذا هو العذاب الحقيقى , كل رجل منهم يتصور أن زوجته من بين النساء التى تصرخ فى الخارج وهو مكبل لا يستطيع الفكاك للذب عنها لا يستطيع أن يحمى شرفها من الانتهاك ..
أنتفضت قلوبهم مرة أخرى عندما دار المزلاج ثانية ودُفع داخل الحجرة رجلين آخرين سقطا على الأرض فور دخولهما من شدة العذاب … حاولوا مساعدتهما على الجلوس وتفقد جراحاتهما وكل رجل منهم يبكى من شدة التعذيب كالنساء ..الا رجل واحداً كان صامدا رغم انه كان أشدهم عذاباً ولم يكن لسانه يفتر عن قول لا اله الا أنت سبحانك انى كنت من الظالمين … هدأت الاصوات فى الخارج ولم يعودوا يسمعون شيئاً فهدأت نفوسهم قليلاً ..
نظر أحد الرجلين إلى الرجل المعرى فى ركن الزنزانة وبكى وكأنه قد شهد عذابه ثم نظر ثلاثتهم إلى الرجلين وقال لهما فارس :
– أنتوا تهمتكوا أيه
قال رجل الأول بخفوت :
– أنا مش من القاهرة أنا من سينا.. عندى محل تصليح غسالات من يومين لقيتهم هجموا عليا وقلبوا المحل وغمونى وخدونى فى عربية ولقيت نفسى هنا قدام الظابط وواحد تانى بيقولوا عليه وكيل نيابة , هتف فارس فجأة : – عذبوك قدام وكيل النيابة.. أومال مين اللى بيطبق القانون
أجابه الرجل :
– قانون مين يا أستاذ ..وكيل النيابة هنا زيه زى الظابط اللى بيعذب بالظبط
ثم اردف قائلا :
– وكل اللى طالع عليهم مين اللى اشترى منك التايمر من يومين ..اقولهم انا بصلح غسالات وطبيعى أى حد يشترى تايمر غسالة من عندى ..يقولولى أنت كداب يابن ال ـــــــــــــــــ وفجأة لقيت الظابط ولع سيجارة وقالى لو السيجارة دى خلصت من غير ما تعترف
هتكره اليوم اللى اتولدت فيه .. فضلت احلفله مفيش فايدة لحد ما قام من ورا مكتبه وقالى أنا هعرفك مين هارون باشا وبعدين ندى على المخبر وقالوا حضرلى التونيك ..
قاطعه عمرو متسائلا :
– أيه التونيك ده
أجابه الرجل :
– ده الجهاز اللى بيصعقونا بيه بالكهربا .. وفضلوا يعذبوا فيا بالكهربا وانا عريان وفى الاخر … ثم اشار للرجل الاخر وقال: – لقيت الراجل ده جايبينه برضه متغمى وبيقولولى هو ده اللى اشترى التايمر منك ؟.. بصتله كده وقلت لاء
نظر لهم الرجل الاخر وقال :
– انا اصلا من القاهرة ايه اللى هيودينى سينا علشان اشترى تايمر غسالة .. خدونى من بيتى من وسط ولادى وشدوا النقاب من على وش مراتى وكانوا عاوزين يعتدوا عليها قدامى لولا ستر ربنا وكل اللى طالع عليهم أنت بتصلى الفجر فين وسايب دقنك ليه ..زى ما تكون صلاة الفجر تهمه ودقنى جريمة … فضلوا يعذبوا فيا أربع ساعات كهرباء ولما عرفت أنطق قلتلهم عاوز اصلى وقف الظابط قدامى وقالى صليلى … قول سبحان هارون وبحمده سبحان هارون العظيم ….فضلت ابكى واقوله خاف ربنا ..يقولى ربنا مين مسمعتش الاسم ده قبل كده ..
تابع الرجل الاول حديثه قائلا :
– كان حلقى بيتقطع من كتر التعذيب قلتلهم عاوز اشرب رد عليا واحد منهم قالى مينفعش يا حبيبى أحنا خايفين عليك أنت متوصلك كهربا فشر السد العالى لو شربت هتموت..أول مرة أحس ان روحى بتطلع وترجع تانى مكانها
أردف الرجل الاخر :
– أنا لقيوا عندى سيديهات عن الويندوز وتصليحه والبرامج ولقيت وكيل النيابة وهو بيقرا عناوين السيديهات بيقول للى بيكتب جنبه .. انهم لقيوا سيديهات عن ازاى تركب قنبلة وتفجرها عن بعد ومرسومات لكنسية ازاى تتسلق وتدخل تحط قنابل فى اماكن محدش يكتشفها ..
أنتفضت أجسادهم مرة أخرى عندما سمعوا صوت الباب يفتح من جديد وكانوا يظنون أن هناك المزيد من المعذبين سيدخلون عليهم ولكن هذه المرة سمعوا صوت ينادى أسمائهم الثلاث …بلال ..فارس …عمرو
نظروا إلى بعضهم بعضا وكأنهم يودعون بعضهم ويشيعونهم ونظرا إليهم الرجلين نظرات شفقة وخوف زادت من فزعهم …نهض ثلاثتهم ولكن بلال أمسكهم من أكتافهم ونظر إليهم قائلا :
– حافظوا على دعاء اللهم أكفنيهم بما شئت وكيف شئت …
تقدم الثلاث وهم يرددون الدعاء فى خفوت ولقد كان قلب فارس يُعتصر اعتصارا منذ أن علم أن التعذيب يتم بمعرفة وكيل نيابة وتحت نظره ..سار الثلاثة فى رواق ضيق طويل وصدورهم تلهج وتأجر إلى الله سبحانه وتعالى وبلال يتمتم :
– اللهم انهم لا يعجزونك
دخل ثلاثتهم غرفة صغيرة أخرى ولكن هذه المرة يتوسطها مكتب يجلس خلفه رجل عرفه فارس من أول وهلة .. حدق فارس به لبرهة فنهض الرجل قائلا :
– تعالوا
وجد فارس نفسه يقول دون وعى :
– أنت ازاى تشوف التعذيب ده وتسكت عليه
قال وكيل النيابة الذى كان زميلاً له فى الكلية :
– مفيش وقت للكلام ده يا فارس.. كويس انى عرفت انك هنا بالصدفة..
ربنا وحده
هو اللى خلانى اشوف أسمك بالصدفة فى اللى جم أمبارح …أسمع انت هتترحل دلوقتى على طره ..أهو أحسن من هنا على أى حال …
أعاد فارس سؤاله مرة أخرى هاتفاً به أن يجيبه ,فقال صديقة :
– يا فارس انا كنت زيك بحلم ابقى وكيل نيابة وربنا حققى حلمى ..مكنتش اعرف أنى هشتغل فى أمن الدولة ..ولما شفت المهازل اللى بتحصل هنا عملت فيها شجيع وقلت اروح اقدم بلاغ للنائب العام وقبل ما ادخله قابلت ولاد الحلال اللى يعرفونى وقالولى هو انت مكنتش تعرف أنه كان بيتشغل فى مباحث أمن الدولة عشر سنين وكان راضى عن اللى بيحصل هتدخل تقوله ايه …حافظ على نفسك وعيالك وحاول تتنقل لأى جهة تانية من غير ما تقول حاجة ولا تفتح بؤك …وانا يا فارس قدمت طلب نقلى وهنفذه قريب والحمد لله انك جيت قبل ما انا امشى ولا مكنتش هتخرج
من هنا على رجلك زى ما دخلت ولا انت ولا اصحابك.. أنت متوصى عليك جامد يا فارس
نظر عمرو إلى بلال بذهول بينما حدق به فارس قائلا :
– مين اللى موصى علينا وليه
قال صديقه :
– معرفش .. كل اللى عرفته انك متوصى عليك انت بالذات.. ومكنوش هيخرجوك سليم من هنا …أنا ادخلت وهرحلك انت وصحابك على طره لحد ما تشوف هتخرج منها ازاى وأوعدك انى اساعدك على قد ما اقدر
ضغط أحد الازرار أمامه فدخل على فور أمين شرطة يرتدى زى ملكى وقال له بلهجة صارمة :
– خد دول يابنى على عربية الترحيلات.. أوراقهم اهى
أستقل ثلاثتهم سيارة الترحيلات وهم يعتذرون فى داخلهم للوحوش التى يقال عنهم انهم مفترسين وبلا رحمة. ***** نهضت مُهرة من نومها فزعة وهى تصيح : – الدكتور حمدى ..
وأخذت توقظ أم فارس وتهزها بقوة جعلتها تستيقظ فزعة ونهضت جالسة وهى تهتف بها :
– مالك يا مُهرة فيكى ايه
صاحت مُهرة وكأنها غريق قد وجد لوح من الخشب فى قلب المحيط يتعلق بها لعلها تنجيه من الغرق وقالت :
– الدكتور حمدى يا طنط مفيش غيره.. هو اللى هيعرف طريق فارس ..فارس كان بيقول عليه بيحبه وبيعتبره زى ابنه
تلقت دنيا اتصالا هاتفياً وهى غارقة فى نومها على فراشها الوثير فى بيت والدتها ..تململت فى الفراش وهى تنظر للرقم , أتسعت حدقتاها وخفق قلبها خوفاً وأجابة بتردد فقالت أم فارس لهفة :
– معلش يا بنتى صحناكى من النوم …أنا عاوزه رقم الدكتور حمدى صاحب المكتب يا دنيا
هو الوحيد اللى هيعرف طريق فارس ..ليه معارف كتير
أبتلعت دنيا ريقها وقد غارت عيناها وقالت :
– بس الرقم مش معايا هنا دلوقتى.. بكره اروح المكتب أجيبه
قالت ام فارس برجاء:
– ارجوكى يا بنتى مش هقدر استنى للمغرب مينفعش تروحى المكتب بالنهار
توترت دنيا أكثر وقالت بتلعثم :
– اه اه هحاول اشوف ينفع ولا لاء وهرد عليكى فى اقرب وقت وبعدين مفيش داعى تتعبى نفسك انا لما اروح المكتب هكلمه واطلب مساعدته متخافيش
أغلقت دنيا الهاتف وهى تلعن اليوم الذى جعلها توافق على اقتراح باسم وقالت بعصبية :
– هعمل ايه دلوقتى لو الدكتور حمدى عرف.. كل حاجة هتبوظ
ظلت تفكر منذ طلوع الفجر وحتى قرب وقت الظهر وهى ترتشف القهوة كوباً تلو الآخر حتى هداها شيطانها لفكرة لمعت فى رأسها على الفور وبلورها لها عقلها …أنتظرت حتى بعد الظهر بقليل ثم أعادت الأتصال بام فارس مرة أخرى وقالت لها بأسى :
– انا آسفه يا طنط.. الدكتور حمدى تعبان أوى وسافر بره يتعالج.. مش موجود فى مصر ومش عارفة اوصله . ***** أجرت مُهرة اتصالا هاتفياً تقوم به لأول مرة منذ زواجها وقالت بارتباك :
– علاء من فضلك محتاجة منك حاجة مهمة أوى
قال بتثاقل وهو ينهض من فراشه :
– طب مش تقولى صباح الخير يا حبيبى الأول
قالت بصوت مرتجف :
– أرجوك يا علاء مش وقته انا محتجالك
أنتبه وهو يجلس على فراشه وقال :
– خير يا مُهرة عاوزه أيه.. محتاجه فلوس ولا حاجة
قالت بصوت باكى :
– فارس جارنا ..أمن الدولة خدوه ومش عارفين نلاقيه.. بيقولوا معتقل بس فين مش عارفين .. وانت أكيد ليك اصحاب كتير معروفين ورجال أعمال ممكن يعرفولنا طريقه
هتف بها حانقاً :
– مش فارس ده اللى ضربنى ؟
بكت بشدة وأخذت تشهق وترجوه بمرارة أن يصفح عنه ولكنه قال بتشفى :
– أحسن خإليه يتبهدل ولا يقتلوه ويرحونا منه ..ربنا خادلى حقى
شهقت بشدة وأخذ صدرها يعلو ويهبط وهى تبكى وتقول :
– أرجوك يا علاء علشان خاطر ربنا .. أعمل كده لوجه الله طيب ..طيب علشان خاطر امه المسكينة
صاح بها وهو ينهى المكالمة :
– بقولك أيه يا مُهرة بلا امه بلا ابوه.. أنا راجل نجم عاوزه حد يعرف انى اعرف واحد معتقل ..عاوزه تضيعى مستقبلى …
واغلق الهاتف بقوة وهو يزفر بقوة , بينما سقط منها الهاتف وسقطت على الأرض من شدة البكاء ثم سجدت وهى تقول بنحيب :
– يارب مالناش غيرك يارب نجيه .. ده عمره ما أذى حد يارب ******** طرق صلاح باب حجرة مكتب إلهام ودخل وقد بدا القلق على محياه فاعتدلت وقالت بسرعة :
– ها يا صلاح وصلتوا لحاجة.. عرفتوا عمرو مبيجيش ليه
أومأ برأسه وقد ارتسم الحزن على قسمات وجهه وقال :
– أتقبض عليه من يومين … خدوه الفجر من بيته
هبت واقفة وقالت بفزع :
– مين دول اللى خدوه وليه
رفع كتفيه باسى وقال بحيرة :
– مش عارف يا بشمهندسة بس طريقة القبض عليه دى بتقول انهم مش مباحث عادية شكلهم كده أمن دولة
هوت إلى مقعدها وارتجف قلبها بين أضلعها واتسعت عيناها وهى تفكر وفجاة تناولت سماعة الهاتف وضغطت عدة أرقام ثم قالت بسرعة لمديرة المكتب :
– وصلينى بالباشا حالاً.
