
الفصل السابع والعشرون
عاد إلى شارعهم يطوى الأرض طياً .. يهرول تارة فينهكه التعب فيمشى تارة أخرى … وقف عند بداية المنعطف ينظر إلى بداية شارعهم , إلى البيوت المتلاصقة والقهوة البعيدة وهو يشعر أنه افتقد دفأهم وحمايتهم ورعايتهم لمن حولهم وهو يتسائل فى نفسه, لماذا لا تكون الدنيا كلها شارعهم بقلوب أهله الطيبة , ما هؤلاء البشر الذى تعامل معهم وكيف ينتمون إلى فئة البشر …أليسوا أقرب إلى مصاصين الدماء الذين رآهم كثيرا فى الأفلام لا بل مصاصين الدماء لايقتلون بهذه البشاعة التى رآها, أنما هى عضة نتيجة لاحتياجهم للدماء ..أما هؤلاء فهم يشوهون ويقتلون ويعذبون لا لشىء الا للمتعة الا للضحك على صرخات وأنين المُعذبين لا لشىء الا للقتل ..لالشىء الا لكره الكرامة ومن ينادون بها ..أى بلد هذه التى لا نحيا بها كراماً ..
قطعت أم فارس قراءتها للقرآن ووضعت المصحف بجوارها وهى تنادى على مُهرة … خرجت مُهرة مسرعة من المطبخ فقالت لها أم فارس بوهن :
– شوفى يا مُهرة فى أيه فى الشارع أيه الزيطة دى
تناولت مُهرة أسدال الصلاة وارتدته بسرعة وخرجت إلى الشرفة ..أتسعت عيناها وهى تنظر إلى عمرو وأهل شارعهم مجتمعين حوله مهنئين له فى جلبة شديدة , فرحين به وبعودته سالماً ..بحثت بعينيها سريعاً بين الوجوه وقد خفق قلبها بشدة تبحث بين العيون والوجوه لاشىء ..لم يعد .. أنهمر دمعها رغماً عنها ومسحته بيديها وهى تجيب نداء أم فارس وتقول بصوت متقطع :
– عمرو رجع يا ماما
انهمرت دموعها مرة أخرى وهى تتمتم :
– رجع لوحده
هرولت أم فارس إلى الشرفة بلهفة , بحثت هى أيضا عن ولدها بين الناس فلم تجده, خرجت من الشرفة متوجهة إلى باب الشقه مسرعةً .. لحقتها مُهرة وهى تتشبث بذراعها هاتفةً :
– أستنى يا ماما هتنزلى كده ازاى ..أنتِ بهدوم البيت نظرت أم فارس لملابسها وهى تضع يدها على شعرها لاتعلم ماذا تفعل وكأنها مسلوبة الأرادة ..لم تنتظر مُهرة كثيرا أندفعت للداخل وأحضرت لها عباءة الخروج وحجاب .. أرتدتهم بسرعة وهى واقفة على باب الشقة ولسانها يلهج بفزع: – يا حبيبى يابنى.. ياترى انت فين يابنى
ألبستها مُهرة حذائها سريعاً والتقطت مفتاح الشقة ونزلا سويا يهرولا إلى حيث عمرو . لم تستطع عزة أن تنتظر كثيرا وهى تراه من النافذة , أندفعت تفتح باب الشقة لمقابلته , لا تعلم كيف كانت تقفز درجات السلم … كان قد سبقها وصعد السلم بقفزات أسرع وأوسع منها .. وأخيرًا التقيا … تعانقا .. تعانقا بقوة واندفاع , كل منهما رمى بجسده باتجاه الآخر .. البكاء هو سيد الموقف ..
كانت تشهق وهى بين ذراعيه وتضمه بقوة وهى تهتف باسمه بقلبها قبل شفتاها … أما هو فقد ضمها إلى صدره وأغمض عينيه وهو لا يصدق أنه رآها مرة أخرى … أسرعت أم عزة تتصل بعبير وتخبرها بالأمر .. صعد بها للأعلى وهى مازالت متعلقةً به ..دخلا شقتها بين والدها ووالدتها التى هتفت: – حمد لله على سلامتك يابنى جلس على الأريكة وهو يلف كتفها بذراعه وتنفس بقوة وهو ينظر إليهم بشوق قائلا: – الله يسلمكم ..
كان الباب مفتوحاً ولم هناك مجالاً لطرقه, أندفع والده ووالدته وأخيه محمود نحوه يقبلانه ويعانقانه من بين دموعهما ثم تركوا المجال لأخيه ليعانقه بلهفة وشوق لصدر أخيه الأكبر الذى طالما استمع إليه وأرشده فى طريقه .. دخلت أم فارس بعدهم مباشرة وفى أعاقبها مُهرة .. أطمئنت أم فارس عليه ونظرت له متسائلة وهى تخشى السؤال عن أبنها حتى لا يأتيها خبر مفجع … ولكن مُهرة لم تنتظر كثيراً فهى على يقين أنه بخير, لو كان حدث له شىء كانت قد شعرت بذلك .. فقالت بلهفة :
– فين دكتور فارس ودكتور بلال يا بشمهندس أبتسم عمرو والجميع محيط به وهو يقول : – الحمد لله كويسين أوى وبيطمنوكوا عليهم قالت أم فارس بلهفة بعد أن أطمئن قلبها : – مخرجوش معاك ليه هز رأسه نفياً وهو يقول : – مش عارف.. مقدرتش اعرف حاجة خالص.. بس اطمنوا طالما انا خرجت يبقى هما كمان هيخرجوا قريب ان شاء الله ..بس هما كويسين والله وباعتين السلام ليكوا كلكوا وبيطمنوكوا قالت أم فارس بجزع :
– ازاى يابنى بس.. ده الظابط اللى جه خده قعد يقول بتعمل قنبله فى بيتك طمئنها عمرو قائلا : – صدقينى يا طنط والله كويسين ومفيش تهمة متوجهه لحد خالص ..وكل اللى عرفناه ان فى حد هو اللى شكنا بلاغ ووصى علينا.. بس مين هو.. ده منعرفوش لحد دلوقتى ..بس متقلقوش.. أنا هفضل ورا الموضوع ده مش هسيبوا غير لما اعرف قال كلمته والتفت إلى زوجته الجالسة بجواره ومستندة برأسها على ذراعه وقال : – أتصلى باختك وطمنيها على جوزها
خرجت أم فارس ومُهرة من بيت والد عزة مُطرقتان برأسيهما بحزن وأسى, لا يعلمان ماذا ينتظرهما فى المستقبل . ***************** أستندت عبير إلى ظهر سريرها وعينيها تلمع بالدموع, ألتفتت إلى الوسادة الخالية بجانبها وإلى الفراغ الذى طالما كان يحتله جسده بجوارها وارتسمت على جانبى شفتاها ابتسامة حزينة وهى تتذكر الرسالة الشفوية التى أرسلها مع عمرو .. وحشتينى أوى وبضمير … تناولت وسادته وهى تستلقى على جانبها الأيمن واحتضنتها بقوة وهى ترويها بدموعها هامسة : – وانت كمان وحشتنى أوى يا بلال
طرقت والدته باب غرفتها فوضعت الوسادة مكانها ومسحت دموعها واتجهت للباب وفتحته وعيونها المُعذبة تفضح حزنها ..أخذتها والدته من ذراعها وخرجت بها خارج غرفتها إلى الأريكة التى يعتادون الجلوس عليها , أجلستها كالاطفال والتفتت إليها قائلة :
– عارفة يا عبير أول مرة خدوا بلال فيها .. كنت هموت من الرعب والخوف عليه وكانت دماغى كل ثانية تودى وتجيب مش عارفة عايش ولا لاء .. لما قعد هناك كام شهر وطلع بعدها .. حسيت أن بلال اتغير أوى ..أتغير للأحسن .. وساعتها قالى كلمة عاجبتنى أوى قالى الدهب لازم يتعرض للنار علشان يبقى نقى .. علشان كده مش عاوزاكى تخافى من المحن دى … المحن دى اللى بتنقينا وتنضف قلوبنا وتشيل منها أى حاجة غير ربنا …
أومأت عبير برأسها وهى تنظر لها قائلة : – معاكى حق يا ماما ثم قبلت كفها وقالت: – ربنا يخاليكى لينا ربتت أم بلال على رأسها بابتسامة حنونة فقالت عبير :
– المركز مش هينفع يفضل مقفول كل ده ..أنا هتصل بالممرض اللى كان مسؤل عن المركز واخاليه يرجع تانى وكل الناس اللى جلساتها اتلغت من غير سبب يتصل بيهم يقولهم ان المواعيد كلها اتأجلت علشان بلال مايفقدش المرضى اللى كانوا بيتابعوا معاه واهو يفضل فى المركز يعمل اللى يقدر عليه.. أكيد بلال كان بيعلمه شغله يعنى ممكن يمشى المركز شوية لحد ما بلال يرجع بإذن الله ..المهم المركز مايتقفلش أبدًا *************** وقف عمرو أمام حجرة مكتب إلهام وتنفس بقوة ثم طرق الباب .. أتسعت ابتسامتها وهى تنهض من خلف مكتبها مسرعة نحوه بلهفة وقالت وهى تمسك بذراعيه :
– حمدلله على سلامتك يا حبيبى أنزل عمرو يدها بهدوء ثم مد يده أمامها بورقة قائلا : – ياريت حضرتك تقبلى استقالتى نظرت إلى الورقة ثم رفعت رأسها إليه ثانية وهى تقول باستنكار : – أستقالتك !! .. ليه يا عمرو ليه كل ما اقرب منك تبعد عنى أتجه نحو مكتبها ووضع الأستقالة عليه بهدوء والتفت لها عاقدا ذراعيه أمام صدره قائلا : – هكلمك بصراحة .. أنا الأول كنت متردد فعلا ..وكنت بقول مفيهاش حاجة طالما مش بعمل حاجة غلط وبينى وبينك كنت معجب بكلامك ليا
أبتسم ساخراً وهو يقول : – راجل بقى وفرحان بشبابى وان فى واحدة بتحبنى وعايزانى وبتعمل المستحيل علشان تقربلى تجهم وجهه وهو يردف بصوت خرج من بين جدران السجون قائلا: – لكن اللى شوفته يخلينى أبيع الدنيا دى كلها.. واعرف ان الدنيا دى متسواش حاجة ألتفت إلى مكتبها وهو يستند عليه قائلا: – فى عز الوقت اللى كنت فرحان بيه بنفسى وبوسامتى شوفت شباب صغير قد اخويا محمود بيتعذب ويتجلد ويتكهرب وفى الآخر يموت لمجرد أنه بيحافظ على صلاة الفجر.. لمجرد انه قال لظابط أتقى الله .
ألتفت إليها مرة أخرى وهو يقول : – كل ده وانا كنت عايش مع نفسى ولا اعرف أى حاجة.. عايش علشان اكل واشرب والبس واشتغل وبس .. معرفش الظلم وصل لحد كده ازاى.. معرفش حاجة عن الناس اللى بتموت كل يوم من غير حس ولا خبر ولا كأنهم حيوانات .. هتفت الهام مقاطعة : – عمرو.. أنت شكلك أعصابك تعبانة.. خد أجازة ارتاح شوية هز رأسه نفيا وقال بتصميم : – آسف يا مدام.. أنا مصمم على الأستقالة
لمعت عينيها بالدموع وهى تحاول الوصول لنقطة اتفاق قائلة : – طب اسمع بس يا عمرو .. خاليك فى الشركة وانا اوعدك انى مش هتكلم معاك تانى كلام يضايقك.. أو يحسسك أنك بتعمل حاجة غلط نظر لها بترقب وهو يقول : – مقدرش .. مينفعش أحط نفسى فى الفتنة واقول انا جدع وقدها وقدود أبتلعت ريقها وقالت بتماسك : – طب يا عمرو لو فى شغل بعيد عنى تقبله ؟ قال بشك : – شغل ايه
ابتسمت بتوتر وهى تقول : – شركتنا داخله شراكة مع شركة سياحة ..هنبنى فندق سياحى فى مكان جديد اسمه وادى الريان.. هنبقى أول فندق فى المكان ده ..المشروع ده ضخم ياعمرو وهيطلعلك منه مكافأة حلوة أوى ..ممكن تبدء بيها حياتك العملية وتفتح شركة هندسة صغيرة كده على قدك … ها قلت أيه؟ صمت قليلاً يفكر فى الأمر فقالت : – متقلقش مش هتبعد عن بيتك كتير.. هتنزل أجازة يومين فى الأسبوع ..تلات شهور والمشروع يخلص مش كتير.. يعنى بالنسبة لطبيعة شغلك
نظر إليها بتسائل وقال : – واشمعنى أنا اللى عاوزانى اشتغل المشروع ده .. ليه مدتيهوش لنادر ولا حد تانى غيرى عقدت ذراعيها وقالت بخفوت : – مش هينفع اجاوبك علشان وعدتك انى مش هقولك كلام يحسسك انك بتعمل حاجة غلط ..ها فهمت ولا اقول بصراحة ؟ صمت قليلاً يفكر ..وجدها فرصة من الممكن يبدء بها حياته بعيدًا عنها وعن فتنتها وستضمن له مستقبل جيد بالحلال وأخيرًا خرج عن صمته قائلا : – موافق … بس محتاج شوية وقت علشان عاوز اتابع موضوع صحابى اللى حضرتك مهتمتيش بأمرهم
ابتسمت وقالت بثقة : – متقلقش هيخرجوا قريب .. اللى خرجوك هيخرجوهم ..هما بس معرفوش يطلعوهم معاك بسرعة علشان واحد فيهم متوصى عليه جامد والتانى اُعتقل قبل كده .. أستدار عمرو بإنفعال قائلا : – معرفتيش مين اللى وصى عليه بالطريقة دى تناولت خصلة من شعرها تلفها حول أصبعها وقالت متعجبة : – الحقيقة عرفت بس مستغربة أوى قالت كلمتها الاخيرة ثم توجهت لمكتبها وجلست خلفه وهى تنظر إليه بتأمل وهو يقول متلهفاً : – مين .. مين اللى عمل كده
مطت شفتاها وهى تقول ببطء : – مراته توجه نحوها وأتكأ على المكتب بقبضتيه وهو يقول منفعلاً : – مرات مين رفعت حاجبيها وقالت : – مرات صاحبك المحامى ده أتسعت عينيه وهو يردد بذهول : – دنيا رفعت كتفيها بحيرة وهى تقول : – مش عارفه ..كل اللى عرفته ان مراته هى اللى بلغت عنه وحطت أساميكم معاه هتف صائحاً بغضب : – أنتِ متأكدة من الكلام ده مالت للأمام وقالت بثقة : – طبعا يا عمرو .. المعلومة دى من فوق أوى
تركها وخرج مهرولا للخارج والغضب يعتمل فى صدره والغريب أنه لا يدرى لماذا تفعل زوجة بزوجها هذا مهما كانت بينهما خلافات ومشاحنات كيف تستطيع أن تفعل به ذلك ما الداعى إذن.. ما الداعى..؟!! هبت أم فارس واقفة وهى تهتف به مستنكرة : – بتقول ايه يا عمرو انت اتجننت ولا أيه وضعت مُهرة يدها على فمها فزعاً وهى تحدق به وهو يقول : – زى ما بقولك كده يا خالتى.. اللى جابلى المعلومة هو اللى خرجنى من هناك قبلهم .. دلوقتى بقى انا عاوز اعرف ..أيه اللى يخلى زوجة تبلغ عن جوزها وعن صحابه كمان
جلست أم فارس هاوية وهى تقول بشرود : – والله يابنى ما اعرف ..فارس مكنش بيحكيلى على حاجة خالص تخص حياته معاها تدخلت عزة وهى تقول بحدة وغضب : – علشان كده مكنش باين عليها الزعل ولا الخضة ..الحقيرة …
كتمت مُهرة بكائها وهى تنظر إليهم غير مصدقة ما تسمع, من هذه التى تعاشره وتتعامل معه ثم تسىء عشرتها له بهذا الشكل الفج , حتى وإن ضاع الحب, أين الأنسانية ,أين الضمير , كيف تجرؤ …شعرت أنها انفصلت عنهم وجدانيا فى دوامة أخرى, لا تسمع ولا ترى سوى انفعالتهم أمامها وكأنهم فى غرفة عازلة للصوت … ظلت هكذا وأخيرا استطاعت أن تسمع هتاف عمرو وهو يقول : – أنا هعمل المستحيل علشان اطلع تصريح بالزيارة.. لازم اقابله واقوله على كل حاجة
لم تشعر بنفسها إلا وهى تهتف برجاء قائلة : – لا لاء حرام عليك .. مش كفاية عليه عذاب السجن كمان يعرف كده وهو مش عارف يتحرك ولا يعمل حاجة ولا قادر يعرف هى عملت كده ليه.. أنت كده هتزود عذابه نظرت لها عزة نظرة متفحصة بينما قالت أم فارس : – صح مُهرة معاها حق .. بس الله يخاليك يا عمرو تحاول تخالينا نزوره ..أحنا مش هنقوله على حاجة بس نزوره ونطمن عليه وحشنى أوى
هدأ عمرو قليلاً وجلس بجوار عزة قائلا : – محدش يجيبلها سيرة اننا عرفنا حاجة.. ولو اتصلت كلموها عادى … وانا هروح للدكتور حمدى وهو ان شاء الله هيقدر يخالينا نشوفهم ونطمن عليهم قالت أم فارس بلوعة : – ماهى قالتلنا انه تعبان وسافر يتعالج نظر عمرو أمامه باشمئزاز وهو يقول : – مش لازم نصدقها فى أى كلمة قالتها ..أنا هدور عليه بنفسى لحد ما الاقيه وبعدين هو يبقى اخو صاحبة الشركة اللى انا شغال فيها يعنى سهل أوصله .
– عاوزه أيه يا نورا.. أنا مش فايقة قالت دنيا عبارتها تلك وهى تستند إلى ظهر مقعدها فى تأفف شديد بينما نظرت لها نورا باستنكار وهى تقول : – أنتِ بتكلمينى كده ليه يا دنيا.. هو انا جاية اشحت منك .. وبعدين متنسيش انى مديرة المكتب يعنى أسلوبك لازم يكون أحسن من كده معايا ضربت دنيا سطح المكتب بعصبية وقالت : – مديرة على نفسك ..أنا يا ماما ابقى مرات فارس ودراعه اليمين هنا فى غيابه.. عارفة كده ولا لاء؟
عقد نورا ذراعيها بتحدى قائلة : – الدكتور فارس مدانيش تعليمات بكده ولو حضرتك عاوزه تقعدى فى المكتب ده مكانه يبقى لازم هو اللى يقولى كده فى الأول زفرت دنيا بقوة وقالت بتعالى : – قولتلك مسافر مسافر ..أنتِ مبتفهميش خرجت نورا مباشرة و صفقت الباب خلفها بقوة ودخلت مكتبها ..جلست خلفه بانفعال وهى تضرب بأناملها بسرعة وتوتر وهى تمتم: – أنا مش مستريحة أبدا للموضوع ده ..لازم الدكتور حمدى ياخد خبر
بعد خروج نورا مباشرة من حجرة فارس التى احتلتها دنيا, زفرت بضيق وغضب ولملمت أوراقها الخاصة لتنصرف ولكن رنين هاتفها استوقفها وجعلها تنظر إلى الرقم الغير مسجل لديها بتفكير ولكنها قررت أن تجيب المتصل وقالت : – مين أجابها المتصل ببرود : – أنا حسن يا أستاذة دنيا عقدت ما بين حاجبيها وهى تقول : – حسن مين أجابها بنفس البرود : – حسن اللى كنت شغال فى مكتب الدكتور حمدى معاكوا وبعدين روحت اشتغلت مع الأستاذ باسم
أومأت برأسها وقد تذكرته وقالت : – خير يا حسن فى حاجة – عاوز سلفية صغيرة منك ..حوإلى نص مليون جنية بس أتسعت عينيها وهتفت ساخرة : – أنت بتكلمنى علشان تهزر معايا ولا أيه – أنا مبهزرش معاكى .. أنا بتكلم جد ودخلت فى الموضوع دوغرى عقد حاجبيها بشدة وقد شعرت بالخوف وقالت : – أتكلم على طول – زى ما قلتلك كده نص مليون قالت بجمود : – مقابل أيه
– مقابل اللى سمعته بيحصل بينك وبين الأستاذ باسم يوم ما جيتيله المكتب بالليل لوحدك وخرجتى متبهدلة من عنده .. ومقابل انك اتفقتى معاه انك تودى جوزك فى داهية علشان تقسموا انتوا الاتعاب سوا وتهبروا الملايين لوحدكوا.. ها كدة كفاية ؟ أتسعت عيناها وصاحت بغضب وسبته بشدة رافضة ابتزازة لها ثم قالت: – وشوف بقى هيحصلك أيه من باسم لما يعرف انك كنت بتجسس عليه ضحك حسن متهكما وهو يقول : – بمنتهى البساطة لو قولتى لباسم هفضح حكاية التزوير اللى عملتوها فى القضية
صاحت متهكمةً : – شوف يا بابا ..أنا مش هجيب سيرة لباسم علشان بس انا مبحبش أذى حد .. لكن تنسى حكاية الفلوس دى خالص واللى انت بتهددنى بيه مرمى فى المعتقل ولو ضايقتنى تانى هتحصله . قالت كلمتها وأغلقت الهاتف بشدة وعنف , نظر حسن إلى الهاتف وقال بغضب : – ماشى يا أستاذة .. لما نشوف *********** ضحك باسم ضحكات رنانة فى ذلك المكان العام المُطل على كورنيش النيل ثم قال : – بقى فى حد فى الدنيا يقعد يتكلم فى قضية على البحر كده .. معقول لسه بتخافى مني ده انتِ قلبك اسود أوى يا شيخة
مالت للأمام وقالت بإنفعال : – وطى صوتك شوية .. الناس بتبص علينا هدأت ضحكاته أخيراً وتحولت ملامحه للجدية مباشرة ثم قال : – خلاص خالينا فى المهم … الجلسة اللى فاتت كانت جلسة أجراءات شكلية بس .. زى ما انتِ شوفتى كده مجرد تسجيل أوراق وحضور المتهم وكلام من ده .. الجلسة بتاعة بكره هى اللى لازم تبدعى فيها .. لازم تترافعى وانتِ واثقة من نفسك وعارفة بتقولى أيه أومأت برأسها بأنصياع وهى تقول :
– هاخد المذكرة اللى كتبتهالى دى احفظها صم من النهاردة لبكره أخذ رشفة من القهوة التى وضعت أمامه وقال : – برافوا عليكى ..عاوزك تصميها صم ***** نهض الدكتور حمدى من مقعده وهو يتناول مفاتيح سيارته ويقول لـ عمرو مسرعاً : – تعالى معايا يا بشمهندس
توجها إلى المكتب مباشرة بعد أن علم من عمرو ماذا حدث لفارس وماذا فعلت دنيا والبلاغ الذى قدمته ضده وأكدت له أخته إلهام ماحدث وما عرفته من معلومات .. تفاجأ جميع المحامين بدخول الدكتور حمدى بصحبة عمرو ..أبتسم البعض وغضب الآخر وهم ينظرون إليه وهو متجه لمكتبه فى عجلة من أمره ..فتحه بقوة متوقعا وجودها ولكنه لم يجدها .. حضرت نورا فورا ونقلت بصرها بينهما بقلق بينما قال الدكتور حمدى بغضب : – ليه يا نورا مكلمتنيش لما فارس اختفى فجأة كده
حدقت به بقلق وهى تقول : – أختفى ازاى يا دكتور ..دى مراته قالتلى انه مسافر قال عمرو بحنق : – مسافر !.. اه يا بنت ال .. ولا بلاش ابوها كان راجل غلبان هز الدكتور حمدى رأسه بقوة غير مصدق ما حدث فى غيابه وقال لها : – لا يا نورا فارس مش مسافر ..فارس فى المعتقل ومراته هى اللى بلغت عنه وقدمت شكوى بالكذب ضده عقد حاجبيه بغضب ثم قال لها محذرا: – البت دى لو دخلت المكتب تانى تطردوها فورا فاهمانى ولا لاء
أومأت برأسها موافقة وقد لمعت الدموع فى عينيها وقالت : – طب ليه تعمل فى جوزها كده نظر عمرو للدكتور حمدى وقال : – طب وموضوع فارس والدكتور بلال هنعمل فيه أيه شبك الدكتور حمدى يديه وهو يستند إلى المكتب قائلا : – الأول نعمل تصريح لوالدته تطمن عليه وتشوفه وبعدين نشوف هنعمل ايه علشان نطلعه منها هو وصاحبه بكت مُهرة بقوة وانسابت الدموع فى عينيها وهى بين ذراعى أم فارس التى قالت: – خلاص بقى هدى نفسك شوية ..والله يا بنتى كان على عينى.. كان نفسى تيجى معايا بس عمرو بيقول مينفعش غير للقرايب بس
أنسابت دموعها أكثر وهى تقول : – كان نفسى اشوفه حتى من بعيد من غير ما اكلمه مسحت أم فارس على رأسها وتمسح دمعها بيدها وتقول : – أنا هقوله انك بتسلمى عليه وانك كنتِ عاوزه تيجى هتف عمرو فى عجلة منه : – يالا بقى يا جماعة لازم نتحرك دلوقتى الدكتور حمدى مستنينا بالعربية تحت تشبثت مُهرة بها وهى تقول برجاء : – طب مش هدخل هستنى بره نظرت لها أم فارس بإشفاق وقالت لعمرو :
– مينفعش يا عمرو يابنى تيجى معانا وتستنى بره مطت عمرو شفتيه وهو يقول : – ماهو انا كمان هستنى بره ..طيب يالا تعالى معانا ..قولتى لوالدتك أومأت برأسها وهى تقول : – ايوا قلتلها ثم اندفعت للداخل وهى تقول : – ثوانى هجيب حاجة واطلع على طول دخلت مُهرة غرفته و فتحت مكتبه وأحضرت أحد الصور لهما معاً وهى طفلة صغيرة وأخذت قلما وضعتهما فى حقيبتها وخرجت على الفور هاتفه : – أنا جاهزة يالا بينا
نزلت خلفهم تهبط الدرج بسرعة …أتصطدم عمرو بعلاء الذى كان صاعدا إليها .. وقال : – معلش يا كابتن مخدتش بالى أصلى مستعجل نظر له علاء بريبة وقال : – هو مش أنت كان مقبوض عليك برضة.. طلعت أمتى تغيرت ملامح عمرو وقال بلهجة عدوانية : – متكلم كويس يا أخى .. قول حتى حمدلله على السلامة نظر له علاء نظرة متعالية ثم نظر لمُهرة قائلا : – خارجة كده على فين نظر له عمرو بغضب ثم نظر إلى مُهرة قائلا :
– خلاص يا مُهرة خاليكى انتِ هتفت مُهرة وهى تستوقف أم فارس وتمسك بذراعها قائلة : – لاء .. أنا جاية معاكوا أشار لها علاء بالصعود قائلا : – تروحى معاهم فين ..أتفضلى على فوق تدخلت أم فارس قائلة له برجاء : – معلش يابنى علشان خاطرى سيبها تيجى معانا دلوقتى وابقوا أتكلموا بعدين .. هبطت مُهرة درجة من السلم فتقدم نحوها يحذرها قائلا: – بتكسرى كلامى يا مُهرة ..أنا اقولك اطلعى وانتِ تنزلى معاهم عادى كده
نظرت له بتحدى فنظر لها نظرة نارية وقال : – لو كسرتى كلامى ونزلتى معاهم وسبتينى هطلقك ومش هسأل فيكى تانى فاهمانى تدخلت أم فارس وقالت لها : – خلاص يابنتى اطلعى مفيش داعى للمشاكل هزت مُهرة رأسها بعنف ونظرت له بتحدى أكبر وهبطت درجات السلم بثقة وهى تقول لأم فارس : – يالا بينا يا ماما هنتأخر
مرت بجواره وهو مصدوم من رد فعلها, كان متوقع أن تهديده سيأتى ثماره معها وسترجع معه رغماً عنها , شعر بالغضب الشديد واستدار إليها وهى تهبط درجات السلم أمام نظرات عمرو وأم فارس المصدومة فناداها بغضب شديد ..ألتفتت إليه ببرود فقال بجمود : – أنتِ طـالـق أبتسمت وكأنها لم تسمع شيئاً نظرت لعمرو وأم فارس قائلة : – يالا يا جماعة هنتأخر
تحركت السيارة نحو سجن طرة … جلست مُهرة فى السيارة فى الخلف بجوار أم فارس وأم بلال بينما كان عمرو فى المقدمة بجوار الدكتور حمدى الذى كان يجلس خلف عجلة القيادة وهو عاقد جبينه فى تركيز محاولاً التفكير فى مخرج ما لتلميذه النجيب الذى طالما اعتبر نفسه أباه وأستاذه وموجهه . ساد الصمت على الجميع داخل السيارة .. حتى قال الدكتور حمدى : – خلاص يا جماعة كلها ربع ساعة ونوصل
قال كلمته ونظر لعمرو الذى كان ينظر إلى الطريق قلقا , لا يعرف لماذا راوده هذا الشعور, كلما اقتربت المسافة كلما اضطربت نبضات قلبه وكأنه يقترب من الموت , كلما اقتربت المسافة كلما رأى وسمع ما حدث داخل السجون ورآه بعينيه وسمعه بأذنه ونجاه الله تعإلى منه بقدرته … بينما فى الخلف أخرجت مُهرة الصورة الصغيرة من حقيبتها وقلبتها على الوجه الآخر الأبيض وأخرجت قلمها وهى تنظر إلى أم بلال وأم فارس وهما منهمكتان فى الحديث … أخذت نفساً عميقاً وكتبت بخط صغير منمق يعرفه جيداً:
– الحب الحقيقى هو الذى يرسم لك طريقاً تتلمس فيه ..أجمل الذكريات ..أفضل العطاء .. حُسن الأخذ .. سكن البُعد …مودة القرب … فإن لم تجد فيه غير الشقاء فاعلم أنه ألم متنكر .. أنزع عنه قناع الحب واتركه وارحل …بلا أسف … أمضاء الفارس الصغير
