
ومرت الأيام الخمس ووقف فارس يرتدى سترته الأنيقة السوداء أمام المرآة وهو يستعد لحفل زفافه , لم يكن متحمساً كما كان يظن فى ذلك اليوم , مشط شعره فى عناية ووقف ينظر للمرآة ويتمم على أناقته حينها سمع صوت بلال وعمرو فى الخارج , أبتسم وهو يفتح باب غرفته وسمع عمرو يصيح بمرح:
– وأنا هاخد وقت فى اللبس ليه.. أنا حلو من غير حاجة
خرج فارس ورد عليه قائلاً:
– ده أيه التواضع ده كله
ضحك بلال وهو يضرب على كتف فارس قائلاً:
– نحن السابقون و انتم اللاحقون
نظر بلال إلى فارس وقال متسائلاً:
– أنتوا مسافرين بعد الفرح فعلا يا فارس
أومأ فارس برأسه وقال:
– الدكتور حمدى عزمنا نقضى أسبوع فى شقته اللى فى اسكندرية ..هنقضى ساعة كده فى الفرح ونسافر على طول وضع عمرو يديه فى خصره وهو يتصنع الحقد وقال: – ماشيه معاك يا عم مين قدك – بقولك ايه يا عمرو مابدل الحقد اللى مإلى قلبك ده.. يومين تلاتة كده وتعالوا قضوا معانا يومين فى اسكندرية حك عمرو رأسه وهو يقول: – ممم هفكر واخد رأى الحكومة ضحك ثلاثتهم بينما قال عمرو : – يالا يا سيدنا العرايس فى الكوافير مستنينا على نااار
نظر فارس حوله وهو يقول متسائلاً: – هى ماما راحت فين قال بلال وهو يضع يديه فى جيب بنطاله: – طلعت تودى الولاد عند مُهرة ونازله على طول ان شاء الله عقد فارس بين حاجبيه وقال متسائلاً بقلق: – ليه هما مش جايين معانا جذبه عمرو من ذراعه وهو يتجه به صوب باب الشقة ويقول : – ياعمنا يالا بقى هنستناهم تحت الستات دول يومهم بسنة خرج ثلاثتهم وأغلق فارس الباب خلفة ونزل الدرج خلفهم فى توتر وقلق وهو ينظر للأعلى ثم ينظر أمامه ويكمل طريقه فى الهبوط
وقف الجميع أسفل بنايتهم وتبادلوا العناق والتهنئة مع الجيران والأحبة والمدعوين منهم للحفل , تأخرت والدته قليلاً فقال عمرو: – ما تطلع تشوف الحجة يا فارس .. عزة عماله تتصل شكلنا بقى وحش أوى نظر فارس إلى هاتفه فوجد مكالمتين من دنيا لم ينتبه إليهم, كان على وشك أن يهاتفها ليخبرها أنهم فى طريقهم ولكنه وجد يحيى يهبط الدرج بسرعة ويتجه إلى بلال مباشرة وهو يقول: – لو سمحت يا دكتور ممكن تطلع معانا.. أصل مُهرة تعبانة أوى
لم يتحدث فارس كثيرا , بل لم يسأله من الأصل , توجه للأعلى مباشرة وطرق الباب , فتحت له أم يحيى الباب وفى عينيها أثر البكاء معلنا عن نفسه بوضوح فقال بلوعة: – فى أيه مُهرة مالها كان بلال ويحيى قد لحقا به , غض بلال نظره وهو يقول : – خير يا جماعة مالها أفسحت لهم أم يحيى الطريق وهى تقول: – مش عارفة يا دكتور .. سخنه أوى وبتترعش والكمادات مش جايبة نتيجة .. خايفة تكون حمى
قال بلال بسرعة دون أن ينظر إليها: – طب غطيها وحطى حاجة على شعرها دخلت أم يحيى سريعاً إلى غرفة مُهرة وخرجت بعد ثوان وهى تقول بلهفة: – خلاص يا دكتور اتفضل هم بلال بالدخول ولكنه تفاجأ بفارس يمسك بذراعه يوقفه , فنظر بلال إلى يد فارس الممسكة به ثم نظر إليه فى تسائل ودهشة , فقال فارس بصوت كأنه خرج من شخص آخر غيره ومن حلق آخر غير حلقه وكأنه آتى من بئر عميق وبعيد :
– هو انت بتكشف على بنات؟ شيئاً ما فى عينى فارس جعل بلال ينظر إليه بعمق وهو حائراً من أمره ثم قال: – انا مش هكشف عليها .. أنا هشوفها بس حمى ولا لاء ..وده مش محتاج كشف زى ما انت فاهم ..علشان لو حمى مش هينفع نستنى أكتر من كده ثم أشار بلال إلى أم يحيى أن تتبعه , دخلت معه والدتها لغرفتها فوجد أم فارس تجلس بجوارها وتبكى على حالها وما أصابها ومُهرة نائمة والكمادات تغطى جبينها.
وقف فارس حائراً فى الخارج يريد الدخول ولكن لا يستطيع , بعد دقائق خرج بلال وهو يحادث زوجته على الهاتف ويقول: – خلاص نازلين اهو ..لا الحمد لله كويسة..اه طبعا هجيب الولاد معايا لم يستطع الأنتظار أكثر , أمسك بلال من يده التى يحمل بها الهاتف وقال : – طمنى يا بلال أنهى بلال مكالمته مع عبير ووضع الهاتف فى جيبه وقال لـ فارس وهو يتفرس فى ملامحه: – متقلقش دى حرارة عادية …كويس أن والدتها بتعرف تدى حقن انا كتبتلها على حقنة لما تاخدها هتبقى كويسة بأذن الله
مر يحيى من جوارهما سريعاً فى طريقة للخروج ليحضر الحقنة التى طلبها بلال وخرجت على أثره أم فارس من الغرفة وتوجهت إلى فارس وهى تقول: – انت لسه هنا يابنى ؟ .. يالا انت اتوكل على الله علشان تلحق عروستك فى الكوافير مش عاوزين مشاكل فى ليلة زى دى جاء صوت رنين هاتف فارس فى هذه اللحظة, فنظر فى الهاتف ليوجده عمرو الذى تكلم بسرعة قائلا: – انتوا هتباتوا عندكوا يا فارس قال فارس بدون تردد:
– أمشى انت يا عمرو.. روح خدهم من الكوافير ووديهم القاعة وماما وبلال هيحصلوك هتف عمرو مستنكراً: – هما مين اللى أخدهم دول .. أروح اقول لمراتك تعالى معايا وجوزك جاى ورانا ..فى أيه يا فارس صاح فارس بغضب: – اعمل اللى بقولك عليه يا عمرو ..ماما هتنزل دلوقتى وهتاخدها معاك من الكوافير وتروحوا على القاعة .. وانا هبقى احصلكوا ..وبعدين كده ولا كده قاعة الرجالة مفصولة عن قاعة الستات يعنى محدش هياخد باله انى هتأخر
أنتزعت أم فارس الهاتف من يده وهى تنظر له بحدة وقالت لـ عمرو: – فارس نازلك يا عمرو دلوقتى أغلقت الهاتف ونظرت إليه بصرامة وقالت: – يالا روح خد عروستك من الكوافير.. وانا هقعد معاها لحد ما تتحسن زفر فارس بضيق وهو يشعر أن حفل زفافه تحول إلى جبل على صدره يريد التخلص منه , لاحظ بلال الحيرة فى عينيه ونفس الشىء الغامض الذى استشعره سابقاً وهو لا يريده أن يدخل للكشف عليها فتدخل لحل المشكلة قائلاً:
– بص يا فارس السخونية دى حاجة عادية.. بتيجى وتروح ومتقلقش هى هتاخد الحقنة وهتبقى زى الحصان عاد يحيى سريعاً بالحقنة ودخل غرفة أخته مسرعاً, كانت أم يحيى واقفة تستمع للحوار بجوار باب غرفة ابنتها وقد حقنتها منذ ثوان , حسمت أمرها ورسمت ابتسامة على شفتيها وخرجت مبتسمة وهى تقول: – الحمد لله الحرارة نزلت شوية وابتدت تتحسن ألتفت بلال إليها دون النظر لها مباشرة وقد استشعر خدعتها فهو كطبيب يعلم أن الحرارة تحتاج لوقت أكبر من هذا لتعود لطبيعتها.
أنهالت المكالمات على هاتف فارس وبلال واحتالت أم يحيى كثيرا عليهم حتى لا يتأخروا أكثر من هذا على زفافهم بسبب مرض ابنتها, فهم لا ذنب لهم فيما يحدث لها وبعد مداولات كثيرة استقل فارس السيارة ويكاد يكون فى عالم آخر, يأكله القلق والتوتر والأضطراب وتكاد ان تفتك به أناتها التى كانت تخرج منها عالية فتصل إلى أذنيه وتنهش صدره عن بُعد , وهو ينظر خلفه يكاد أن يراها من خلف الأبواب المغلقة والجدران , والسيارة تبتعد به وتفصله عن عالمه الذى طالما أحبه .
**** خرجت كل منهما إلى زوجها وتأبطت ذراعه إلى السيارة وانطلق الجميع وسط الزغاريد وأصوات أبواق السيارات حتى وصلوا إلى قاعة الأفراح.
كانت قاعة الرجال فى الطابق الأرضى كالعادة بينما قاعة النساء فى الطابق الأول , صعدت النساء للأعلى بينما دلف الرجال إلى القاعة الارضية , مرت عزة بين صفى الدفوف بينما مرت دنيا بين صفى المشاعل , كانت استقبإليه حافلة بين ضرب الدف والإنشاد وبين أنوار المشاعل الملونة, جلست كل منهما فى مقعدها المخصص لها والمزين بالتل والورود والقلوب الحمراء , وبدات الفرقة فى أداء فقراتها المدربة عليها ولكن كل هذا لم يعجب دنيا وكانت تشاهد ما يحدث بملل وكأنهم نساء من كوكب آخر وتنظر إلى عزة بدهشة وتتعجب كيف يبدو عليها السعادة والبهجه بل وتشاركهم الرقص على ضرب الدف هل هذه
حفلة زفاف ! أما فى الأسفل عند الرجال وقف عمرو يتضاحك مع أصدقائه ومحبيه ويتبادلون النكات ووقف فارس بجوراه يصافح المهنئين له ويبتسم لهم ولكن عقله كان فى مكان آخر فيتجه إلى ركن ما فى القاعة ويخرج هاتفه ويتصل على هاتف منزلها فيجيبه يحيى و يطمئنه ببعض الكلمات المطمئنة التى لقنته أياها والدته . ترك عمرو أصدقائه واتجه إلى ركن هادىء بالقاعة واتصل على والدته وقال وهو يتلفت حوله : – بقولك ايه يا ست الكل.. مش كفاية كده بقالنا ساعتين مش هنروح بقى ولا أيه
ضحكت والدته ثم قالت : – طيب خلاص ربع ساعة كده وننزل أنهى عمرو الأتصال ووقف يفرك كفيه ما بين توتر و عجلة وحانت منه التفاته إلى فارس الذى يقف شارداً يضغط أزرار هاتفه فى انفعال ما بين الحين والآخر فاتجه إليه ووضع ذراعه على كتفه وقال مداعباً : – أنت كمان مستعجل ولا أيه رسم فارس أبتسامة على شفتيه ولم يجيبه , فقال عمرو : – مالك يا فارس شكلك مش طبيعى خالص من ساعة ما وصلنا
فارس: – مفيش يا عمرو.. مفيش أنتهى حفل الزفاف واستقل عمرو سيارة بجوار عزة فى طريقهما لعش الزوجية بينما لاحظت أم فارس قلقه وعدم رغبته فى السفر , فاقتربت منه وربطت على كتفه وقالت وكانها ترى ما يدور بعقله: – يابنى اطمن هى خلاص بقت كويسه يلا توكل انت على الله وخد عروستك وسافر أنحنت دنيا وهى داخل السيارة وأطلت برأسها من زجاجها وقالت بانفعال: – انا هفضل ملطوعة كده كتير أضطر فارس إلى استقلال السيارة تحت الألحاح الشديد من والدته وبلال وكلمات دنيا اللآذعة وانطلق بها إلى الأسكندرية
ظلت طوال الطريق تؤنبه وتوبخه على تأخره عليها فى الكوافير وفى السيارة أمام القاعة ولكنه لم يرد, كاد أن يستشيط غضباً وهو يحاول أرضائها ويقدم أعذاره ولكنها لم تقبل بل وازدادت حدة كلماتها القاسية التى تتهمه فيها بالاهمال والتقصير , والبداية الغير المبشرة بحياة سعيدة , وفجأة صمتت وبكت بقوة وانهيار. **** فتحت والدة عزة باب الشقة ودلفت وهى تطلق الزغاريد المتواصلة وتبعتها عبير وعزة وعمرو , قبلت عبير أختها وعانقتها وهى تتمنى لهما حياة سعيدة وأيام مباركة وانصرفت بسرعة كما أمرها بلال من قبل , بينما ظلت والدة عزة تطلق الزغاريد المتواصلة حتى مال عمرو على عزة وقال هامساً:
– هو النهاردة الزغاريد وبكره الفرح ولا أيه ! ابتسمت عزة خجلاً ولم تجيبه وإنما تمنت أن تبقى والدتها ولا تنصرف أبدا من كثرة خوفها من عمرو الذى كان يتوعدها بهذه الليلة مراراً وتكراراً وهو يداعبها بكلماته عبر الهاتف صعدت والدة عمرو وجذبت أم عزة من يدها وقالت بمرح: – يالا بقى أحنا هنبات هنا ولا ايه فرت دمعتين من عينيى والدة عزة وهى تحتضنها وتقبلها بينما لمعت عينيى عزة بالدموع وهى تودع والدتها على الباب بينما أسرع عمرو وأغلق الباب خلف الجميع وهو يزفر بارتياح قائلا:
– الحمد لله .. أخيرًا ..أيه رايك نقفل بالمفتاح والترباس لحسن يرجعوا تانى ؟!! أطرقت عزة برأسها ولم تجيبه وشعرت أن الدنيا تميد بها وتكاد أن يغشى عليها , لاحظ عمرو العلامات الجلية على وجهها وشحوبه خوفاً فقال بلامبالاة : – يلا بقى انا هموت من الجوع أدخلى غيرى واطلعى بسرعة قبل ما اخلص العشا لوحدى لم تصدق نفسها , هرولت للداخل أغلقت الباب عليها وبدلت ملابسها سريعاً بعد أن تعثرت قليلا وهى ترتديها وتتمتم بصوت خفيض:
– بتتلبس ازاى دى ! بعد قليل خرجت إليه وجدته يأكل بنهم شديد فنظرت إليه باستغراب وقد تناست خوفها قليلاً وهى تسمعه يقول لها دون أن ينظر إليها: – الأكله دى خلتنى عامل زى اللى واخدين بنج .. شكلى كده هكسف أهلى وانام على روحى أبتسمت وقد تلاشى أى شعور داخلها بالخوف وجلست على مقعدها تتناول بعض الطعام وتصنعت أن الأمر لا يعنيها وهى تقول: – كل وادخل خد دش علشان تسترخى ونام.. وأنا هابقى اصحيك الفجر علشان نصلى سوا على فكرة شكلك مرهق أوى أوى
نظر إليها بطرف عينيه وهو يلعق أصبعه من بقايا الطعام وقال : – أسكتى يا بت انتِ وكلى عيش فى البيت ده وانتِ ساكته احسنلك أنهى طعامه ودلف إلى الحمام , أغتسل وخرج ليجدها قد استغرقت فى نوم عميق على الأريكة أمام التلفاز حاول أيقاظها ولكنها لم تستجب , حاول مراراً ولكنها تعمدت الأستغراق أكثر فى النوم , فاتجه إلى الثلاجة وأخرج زجاجة عصير واتجه إليها ووقف بجوارها وهو يفتح الزجاجة بصوت مرتفع وقال: – ياترى نوع العصير ده لما بيتكب على الشعر بيطلع تانى ولا لاء
أنتفضت عزة واقفةً وهى تقول برجاء: – لالالالالا بلاش .. أنا صاحية اهو أشار لها لتسير أمامه للداخل وهو يعقد جبينه قائلا بجدية مصطنعة: – قدامى …ناس مبتجيش غير بالعين الحمرا صحيح *** وأما هناك وفى الأسكندرية وقبل الفجر بدقائق كانت هناك دوى صفعة قوية على وجهها هوت على أثرها أرضاً وهى تصرخ قائلة: – متظلمنيش يا فارس مكنش بأيدى … أسمعنى طيب قبض على ساعديها بقوة وعينيه تشعان غضباً وكأن الشيطان قد سكنهما وأطلق منها قذائف نيرانه فتطايرت فى وجهها ولفحتها وهو يجذبها لتقف مرة أخرى على قدميها وهى تهتز خوفاً وهلعا وهو يقول بصوت يشبه الفحيح:
– مين اللى عمل كده .. أتكلمى ولا هقتلك وادفنك هنا دلوقتى حالاً قال كلمته الأخيرة وهو يصفعها مرة أخرى لترتطم بالفراش وتسقط عليه بثقلها , وضعت يدها على وجنتها وهى ترتعش وتقول متوسلة له: – هتكلم.. هحكيلك على كل حاجة بس اسمعنى .. والله مظلمومة يا فارس بدأت تتعثر فى كلماتها وتتلعثم وهى تقول:
– فى يوم بعد ما ركبتنى التاكسى ومشيت .. فضل ماشى بيا فى الطريق عادى وقبل ما يدخل على بيتنا دخل فى الشارع الضلمة اللى قصاده اللى كله عمارات فاضية ولسه بتتبنى .. ما انت عارفه و.. و بعدين طلع مطوه وهددنى ومقدرتش افتح بؤى خفت يا فارس.. خفت وبعدين أغمى عليا ولما فوقت لقيت نفسى فى الشارع .. قمت جريت ودخلت بيتنا وماما كانت نايمة ومشفتنيش قبض على شعرها بقوة وصرخ بها: – كدااابة ..أنا عمرى ما ركتبتك تاكسى لوحدك أبدا
صرخت وهى تحاول الفكاك منه ومن قبضته حتى شعرت أن روحها تفرقت فى جسدها وهربت من كثرة الألم وقالت وهى تنتفض: – ايوا .. ايوا ..أنت عمرك ما ركبتنى تاكسى لوحدى بس فى اليوم ده الميني باص اللى ركبتهولى اتعطل والناس نزلت كلها واضطريت آخد تاكسى وحصل اللى حصل صرخ بها وهو مازال قابضاً على شعرها بقوة : – ومقولتليش ليه .. ومبلغتيش ليه .. وأمتى كل ده حصل بكت بشدة وهى تصرخ من الألم وقالت :
– حصل من سنة تقريبا .. وخفت يا فارس خفت اقولك وخفت ابلغ دفعها على الفراش بقوة فارتطم رأسها به وأخذت تبكى وترتعش بقوة, نظر إليها تسلط عليه الشيطان فى تلك اللحظة فأقدم على قتلها ولكنه تراجع .
كلماتها تفوح منها رائحة الكذب ولكنه لا دليل لديه على شىء آخر , أبتعد عنها ودخل الشرفة فلفحه الهواء بقوة وشعر أنه كان تحت سطح البحر لا يكاد يتنفس وخرج فجأة إلى الهواء العليل فكادت أن تنفجر رئتيه وشعر بدمائه تغلى بداخل عروقه لتلهبها وتحرقها ورأى الماء يندفع بجنون ويرتطم بأمواج عقله فتطحن رجولته وتبعثرها وتنثرها على الشاطىء , شعر أنه سيفقد عقله ورشده ..
جلس على الأرض واضعاً وجهه بين كفيه وهو يشعر أن قلبة قد طُعن طعنة غدر من أقرب الناس إليه , لا يصدقها وليس لديه حل آخر, هل يعرضها على طبيبة , هل يفضحها ويقول لوالدتها ويطلقها أم يستر عليها .. صدح صوت اذان الفجر ليتسلل لقلبه المكلوم الممزق , نهض بتثاقل وتوجه للحمام, أغتسل وصلى الفجر وقد انهمرت عبراته الساخنة التى كانت تقفز على الأرض من عينيه لتروى مكان سجوده بماء دموعه ..أنكفأ لونه وارتجفت أوصاله .
عاد الفارس من معركته خاسراً , ولكنه لم يفقد روحه وأنما فقد حكمته وشرفه, ولكن الفارس النبيل مازال بداخله يستصرخه , أن يظل نبيلاً حتى آخر رمق , وإن زهقت روحه تحت راية نبلة , وتذكر حديث النبى صل الله عليه وسلم : – (من ستر مؤمنا فى الدنيا ستره الله يوم القيامة ) ولكن هل يستطيع ذلك ؟!!
