
وبعد أسبوعين مرتقبين كانت تجلس فى قاعة المحكمة وهى تنظر إلى محامى المجنى عليها, يحمل وجهها قسمات انتصار واثقة بعد أن أكد لها باسم أن الشهود سيغيرون أقوالهم و عدم حضور الضابط الذى يستند إليه محامى المجنى عليها فى أثبات جناية التزوير , بدأت الجلسة وأمر القاضى حاجب المحكمة بالنداء على الشهود الثلاث ….
نظرت دنيا إلى الأوراق أمامها وهى تشعر بأن كل شى قد انتهى , فبمجرد أن يشهد الشهود بنفس الشهادة التى أمام القاضى فى المحضر فسوف يتغير الحكم كما قال لها باسم ..وأخذت ترسم أحلام وردية فى دنياها الخاصة وترى اسمها يسطع فى سماء الشهرة كنجمة متلألأة بين النجوم ..ولكن شعرت بزلزال شديد يفتت أحلامها وينثرها لتسقط من السماء إلى الأرض فى خسف شديد وهو تستمع إلى صوت الضابط الذى وقف أمام المحكمة بهئيته وقد ألقى عليها هى ووائل نظرة استخفاف .
بدأ القاضى بسؤاله عن أقواله وبدا هو فى سرد الوقائع الحقيقية التى حدثت بالفعل وعندما ناقشه القاضى فى الأقوال التى بين يديه فى التقرير المزيف أجاب الضابط بالنفى وأنه لم يكتب هذا المحضر وأن أقوال الشهود فيه مزيفة عن الأقوال التى أدلوا بها من قبل .
أنهى القاضى مناقشة الضابط ثم استدعى الشاهدين اللذين أكدا أقوال الضابط و أنكروا بشدة الأقوال الموجودة فى المحضر المزيف … شعرا كل من دنيا ووائل بأن الأرض قد ضاقت عليهما وأن السماء قد سقطت كسفاً على رأسها ودرات بها الدنيا وهى تهمس لوائل أن يقوم ويناقش الشهود ويحاول تضليل المحكمة
ولكن الصدمات تاتى تباعاً دائماً , فجأة سمع الجميع هتاف هانى من خلف القضبان فى انهيار شديد وبكاء حار وهو يعترف بجريمته ويشهق كالنساء ويرتجف خلف قضبانه بعد ان أدلى باعتراف مفصل وظل يهتف صارخاً :
– مكنش قصدى اقتلها مكنش قصدى كل ده يحصل مكنش قصدى
سقطت دنيا مغشياً عليها عندما سمعت القاضى بعد المداولة ينطق بالحكم ويأمر بغحالة أوراق هانى للمفتى ويأمر بعودة أوراق القضية للنيابة العامة للتحقيق فى واقعة التزوير!
الفصل التاسع والعشرون
صرخت دنيا فى وجه وائل وصاحت بعصبية شديدة :
– يعنى أيه مش لاقيه.. هيكون راح فين.. أختفى يعنى
تبادل معها الصراخ وأخذ يصيح بانهيار : – بقولك اختفى.. أختفى ..لا تليفون ولا مكتب.. ومعرفش بيته.. عاوزانى أعمل أيه اضرب الودع ولا افتح الكوتشينه جلست ودفنت رأسها بين كفيها وهى تنوح وتبكى ثم تنهضت وتدور حول نفسها فى المكان هائمةً على وجهها وهى تقول بهيستيرية : – يعنى أيه .. وقعنا فى المصيبة دى وسابنا وخلع ..ده احنا قدامنا أقل من شهر والتحقيقات تبدأ معانا وساعتها هنتحبس على ذمة التحقيق وياعالم هنطلع تانى ولا لاء ..
ألتفتت إليه صارخة بجنون : – ما ترد عليا يا بنى آدم هنعمل ايه أتجه نحوها ودفعها من كتفها وهو يصيح : – معرفش معرفش .. ياريتنى ما كنت سمعت كلامه.. ياريتنى ماكنت بصيت لفلوس القضية أدينى هتحبس معاكى ومستقبلى هيضيع نظرت له بذهول وهى تقول غاضبة : – طب ليه عمل كده ليه .. كان قصده أيه من كده.. ياخد الفلوس ويحبس فارس ويضيع مستقبلى ويحبسنى وخلاص ..طب ليه ضرب وائل قبضته فى الجدار وهو يقول بخزى :
– هو انتِ لوحدك؟ .. منا كمان ضيعلى مستقبلى وهيحبسنى بسببه ..قالى ملكش دعوة.. أنا هوقف الظابط عند حده ومش هيروح المحكمة وطلع بيضحك علينا .. زى ما يكون كان قاصد يعمل فينا كده من الأول وكان بيلاعبنا بصوابعه زى عرايس الخشب ..يخلينا نروح نتفق مع سكرتير النيابة وندفعله الفلوس وهو بعيد.. ويخالينى اروح للظابط اساومه هو الشهود وهو بعيد ضرب الجدار بقبضته مرة تلو مرة وهو يهتف حانقاً : – غبى ..أنا غبى.. كان لازم أخد بالى
تقدمت نحو الباب وفتحته بعنف وهى تصرخ فيه : – أطلع بره يا وش النحس .. أطلع بره خرج وهو ينظر إليها نظرات محتقرة بإزدراء, فصفعت الباب خلفه بقوة وأخذت تتنفس بصعوبة وهى تفرك يديها بتوتر وخوف كادت أم فارس أن تتابع حديثها مع مُهرة لولا أن سمعت طرقات أخرى على باب الشقة .. عدلت مُهرة من جلستها بينما اتجهت أم فارس لتنظر من الطارق .. فتحت الباب فوجدت شاب لم تره من قبل, ولكنه ابتسم وقال باحترام :
– السلام عليكم يا حجة نظرت إليه بتسائل وهى تقول : – وعليكم السلام يابنى قال باهتمام : – مش دى شقة الدكتور فارس سيف الدين قالت وهى تومىء برأسها : – أيوا يابنى هيا مد يده لها بخطاب قائلاً : – الجواب ده للأستاذ فارس وقبل أن تتكلم قال بسرعة : – أنا عارف أنه مش موجود دلوقتى بس لو سمحتى الجواب ده مهم جدا من فضلك تحاولى توصليه ليه بأى طريقه عن أذنك
حاولت أن توقفه ولكنه لم يعطيها الفرصة وهبط درجات السلم سريعاً , أغلقت الباب وهى تقلب الخطاب بين يديها بدهشة متسائلة : – ياترى من مين الجواب ده نهضت مُهرة وتوجهت إليها وهى تنظر إلى الخطاب بين يدها وقالت : – من مين الجواب ده يا ماما – معرفش يا بنتى بس بيقولى أنى لازم أوصله لفارس ضرورى قالت كلمتها وهى تفتحه وتقول : – لما نشوف فى أيه ده كمان حاولت أن تدقق النظر فيه ولكن الخط كان صغيرا فلم تستطع أن تقرأه بوضوح فدفعته لمُهرة وهى تقول :
– خدى أقريهولى يا مُهرة لحسن الخط صغير أوى أخذته مُهرة من يدها ونظرت فيه وبدأت فى القراءة بصوت مسموع : – عزيزى دكتور فارس.. مش مهم تعرف أنا مين ..المهم انى عندى معلومات مهمة جدا ليك .. أنا مش عارف انت اتخدعت بسهولة كده ازاى.. لكن انا أحب اشيل الغمامة دى من على عينك واقولك أن مراتك بعد أبوها مات على طول راحت لباسم مكتبه بعد ما حطت لأمها منوم و…….. لم تستطع مُهرة القراءة شهقت وهى تضع يدها على فمها .. حثتها أم فارس على المتابعة وهى تمسكها من ذراعها وتقول بجدية :
– كملى يا مُهرة سكتى ليه تلعثمت مُهرة وهى لا تعرف ماذا تفعل فقالت : – ماما الجواب ده مش لازم يوصل لفارس أبدا شدت أم فارس على ذراعها وقالت بتصميم : – هتكملى ولا أنده حد تانى يكملهولى أعادت مُهرة قراءة الخطاب فى تردد وبصوت مضطرب … بينما أخذ وجه أم فارس يمتقع وهى تحدق فى الفراغ, حتى أنهت مُهرة قراءته فرفعت وجهها إلى أم فارس وربتت على كتفها قائلة : – ماما الله يخاليكى أهدى شوية.. أنتِ الضغط بيعلى عندك بسرعة
لمعت الدموع فى عينيها وهى تقول : – يا حبيبى يابنى .. وكنت كاتم فى نفسك كل ده وساكت.. طب ليه يا فارس سكت ليه نظرت لها مُهرة بعدم فهم وقالت متسائلة : – يعنى أيه الكلام ده هو فارس كان عارف عقدت حاجبيها وهى تقول غير مصدقة : – كل تصرفاته بعد ما رجعوا من اسكندرية كانت بتقول أنهم مش كويسين مع بعض .. مع أنهم مكانش لسه بقالهم أسبوع متجوزين جديد .. وهو شكله كان كأنه شايل هم كبير أوى ومش عارف يا حبيب امه يتكلم مع حد ..
دمعت عينيها وهى تقول بتاثر : – أتاريه مكنش عاوز يفضحها .. تقوم فى الآخر تعمل فيه كده ! .. بقى يسترها ويخبى سرها وفى الآخر تبهدله البهدلة دى وكل ده علشان كانت طمعانة فى القضية وفلوسها . وضعت مُهرة الخطاب بجوارها ولفت ذراعيها حول ذراع أم فارس وأسندت رأسها على كتفها وقد انزلقت دمعتين من عينيها فى صمت .. ثم قالت : – مش لازم يشوف الجواب ده يا ماما.. أحنا لازم نقطعه.. ده ممكن يتهور ويعمل فيها حاجة
قالت كلمتها ومدت يدها للخطاب وقبضت عليه فى راحتها بقوة ونهضت لتلقى به فى القمامة, ولكن أم فارس أوقفتها وجذبت الخطاب منها وقالت بتصميم : – مش هنسترها تانى.. لا انا ولا ابنى.. خلاص .. لازم يشوف الجواب ولازم تاخد جزائها علشان نارى تبرد شوية.. وانا عارفة انه مش هيأذى نفسه.. بس كفاية انه يبرد ناره شوية ويعرف اللى حواليه عملوا فيه كده ليه . مسحت مُهرة دموعها براحتيها عندما سمعت رنين هاتف المنزل وتوجهت لتجيب المتصل وهى تقول :
– السلام عليكم أتاها صوتاً محملاً بالفرحة واللهفة .. صوتاً كان ولا يزال محملاً بالحنان الجارف دائماً ..سقطت السماعة من يدها المرتعشة على أثر المفاجأة الغير متوقعة عندما سمعته يقول بشوق : – مُهرة ؟ ألتقطت السماعة سريعاً ووضعتها على أذنها غير مصدقة وأم فارس تنظر إليها متعجبة منها ولكن دهشتها زالت وقفزت فرحاً من مكانها عندما سمعتها تقول بأنفاس متقطعة : – فارس ؟ أخذت أم فارس سماعة الهاتف من يدها ووضعتها على أذنها تمسكها بيدها الاثنتين فى شوق ولهفة وهى تقول :
– فارس ..أبنى.. أنت بتتكلم منين وضعت مُهرة يدها على صدرها وهى تشعر أن قلبها سيقفز من مكانه فرحاً واحتقن وجهها بشدة وهى تستمع لأم فارس تقول من بين دموعها : – يعنى انت طلعت يا فارس ؟.. بجد يابنى طلعت.. طب انت فين ثم أخذت تقبل السماعة وهى تبكى قائلة : – تعالى بسرعة يا فارس.. تعالى بسرعة.. نفسى اخدك فى حضنى يابنى وحشتنى أوى أنهى فارس المكالمة وهو يمسح دموعه ويد الدكتور حمدى تربط على كتفه قائلا بمرح :
– أيه ده.. هو انت لسه شوفت حاجة ..أومال لما تروح بقى هتعمل أيه ثم مد يده بالهاتف إلى بلال قائلاً : – يالا خد انت كمان التليفون وكلم والدتك وبلغها أنك خرجت أبتسم بلال واستنشق الهواء النقى خارج جدران المعتقل حتى أمتلاْ صدره به ثم زفر بهدوء وقال : – لا يا دكتور معلش ..أنا عاوز اعملهم مفاجأة ضحك الدكتور حمدى وهو يقول : – حرام عليك يلاقوك قدامهم كده فجأة ضحك فارس ثم قال :
– طول عمره بتاع مقالب يا دكتور.. هو كده من زمان ضحك ثلاثتهم وهم يستقلون سيارة الدكتور حمدى فى طريقهم إلى منازلهم , كان الدكتور حمدى يقود السيارة وهو ينظر إلى فارس الجالس بجواره نظرات خاطفة ورأسه يدور لا يعلم ماذا يفعل .. لابد أن يخبره بأمر زوجته التى قدمت ضده بلاغ وزجت به فى معتقلات الأهوال تلك ظلماً , ولكن هل يخبره الآن أم ماذا ؟… قطع فارس عليه تفكيره وقال متسائلا : – معرفتش يا دكتور مين اللى عمل فينا كده ؟
ألتفت إليه الدكتور حمدى ثم أعاد النظر للطريق وقد حسم أمره ثم قال : – فارس .. لازم تعرف الدنيا دى كلها فيها الكويس وفيها الوحش فيها اللى بيعمل خير لوجه الله من غير سبب وفيها برضة اللى بيأذى الناس من غير سبب ولو الأذيه جاتلك من اقرب الناس ليك أوعى تزعل نفسك .. واعرف ان ربنا بيكشفلك اللى حواليك علشان متفضلش عايش موهوم ومخدوع فيهم .. أستدار فارس بجسده إليه ونظر للخلف إلى حيث بلال التقت نظراتهما فى تساؤل صامت قطعه فارس وهو يلتفت إلى الدكتور حمدى قائلا :
– الكلام ده معناه ان حضرتك عرفت مين أومأ الدكتور حمدى برأسه وهو يقول : – أيوا عرفت … بس كنت محتار اقولك دلوقتى ولا لما تروح بيتك وترتاح شويه من اللى شفته أعتدل بلال فى جلسته وقد شعر أن الدكتور حمدى يقصد شخصاً قريب جدا من فارس بينما قال فارس سريعاً : – مين يا دكتور قولى مين أضطرب صوت الدكتور حمدى وهو يقول ببطء : – مراتك دنيا أتسعت عيني فارس هلعاً ونظر إلى بلال الذى لم تكن الصدمة عليه أقل من فارس .. حدقا فى بعضهما البعض بينما هتف فارس :
– دنيا مراتى .. أزاى و ليه .. حضرتك متأكد يا دكتور متأكد انها مراتى اللى عملت فيا كده ظهر الأسف على وجه الدكتور حمدى وهو يقول بإشفاق : – هو ده اللى انا عرفته.. ولعلمك محدش هيقدر يجاوب على سؤالك .. إلا انت بس .. أنت بس اللى ممكن تقولنا ليه هى عملت كده أعتدل فارس فى جلسته مصدوماً واستند بظهره إلى مقعده وقد احتقن وجهه غضباً وحنقاً وضرب باب السيارة بقبضته بقوة وهو يهتف :
– سؤال أيه اللى اجاوب عليه .. هو فى حاجة بين راجل ومراته مهما كانت تخاليها تعمل كده فيه .. ليه يا دنيا تعملى فيا كده ليه ده انا .. بتر كلمته وابتلعها قبل أن يكملها .. كان سيقول: – ده انا سترتك ومرضتش افضحك .. ولكن فروسيته المعهودة أبت ذلك … ربت بلال على كتفه من الخلف ثم قال : – أستنى يا فارس لما تقابلها وتتكلم معاها بهدوء.. أحنا لسه مش عارفين حاجة.. أستنى لما تسمعلها الأول
ألتفت إليه فارس غاضباً وهو يقول : – هتقولى أيه يا بلال ..هتقولى بلغت عنى وعن صحابى ليه .. ليه ربت على كتفه مرة أخرى وهو يدعوه للهدوء مرة أخرى وأن ينتظر حتى يسمع منها حتى هدأ فارس بعض الشىء وصمت غضبه خارجياً ولكن قلبه كان مشتعلاً .. كيف تفعل فيه ذلك بعد كل ما فعله من أجلها . أقتربت سيارة الدكتور حمدى من منزل بلال الذى شعر بنشوة وانتشاء حينما لاح جانب المنزل من بعيد فقال سريعاً :
– كفاية هنا يا دكتور معلش تعبناك معانا أبتسم الدكتور حمدى بوقار وقال ضاحكاً: – تعب أيه بس هو انا اللى اتعلقت … قال كلمته وضحك بينما انفجر بلال ضاحكاً ثم قال : – بعد اللى شوفته فى المعتقل ده بيتهيالى مفيش مصرى متعلقش ضحكا الأثنان بينما كان فارس واجماً شارداً فى عالمه الخاص .. ترجل بلال من السيارة وانحنى باتجاه فارس وضع يده على كتفه قائلا : – الهدوء هو اللى هيعرفك السبب مش الغضب.. أهدى وتوكل على الله
أومأ له فارس برأسه بينما شرع الدكتور حمدى فى الأنطلاق بالسيارة إلى حيث منزل فارس صعد بلال درج منزله بهدوء ومر بجوار باب المركز الخاص به ونظر نظرةً فى الخفاء متعجباً .. المركز خاوى ولكنه مفتوح وكأنه يعمل, وكأنه لم يُغلق يوماً , وفى هذه اللحظة شعر بمن يضع يده على كتفه من الخلف قائلا بخشونة : – مين حضرتك
ألتفت إليه بلال وابتسم فى وجه الممرض المساعد له فى المركز والذى ما أن رآه حتى كاد أن يهتف متفاجأً باسمه, لولا أن وضع بلال يده على فمه وكممه حتى هدأ ثم رفع يده عنه وهو يشير له بالصمت .. هتف المساعد بسعادة: – رجعت من السفر أمتى وأيه المفاجأة الحلوة دى أبتسم بلال وهو يجيبه بصوت خفيض : – الله يسلمك ..ها أخبار المركز أيه رفع المساعد كتفيه وهو يقول :
– حضرتك مشيت من غير ما تقولى.. وطبعا الناس ابتدت تضايق من سفرك المفاجىء.. قفلنا شوية بس زوجة حضرتك فتحته تانى ورجعنا كلمنا الناس وبلغناهم ان سبب سفرك كان ضرورى ومسألة حياة أو موت .. والناس تفهمت الوضع وبلغناهم اننا هنتصل بيهم تانى لما المركز يرجع يشتغل ظهرت البشاشة على وجه بلال مقدراً لمجهود زوجته فى الحفاظ على سمعته كطبيب فلم تكن عبير تطمح فى أن ينتظره المرضى , فالمرض لا يمكن الصبر عليه , ولكن كل طموحها كان فى الحفاظ على سمعته كطبيب حتى لا تتأثر بهذا الاختفاء المفاجىء وانتقطاعه عن متابعة المرضى … ألتفت إلى مساعده وقال متسائلا:
– وانت كنت فاتح ليه دلوقتى قال المساعد : – مش انا دى زوجة حضرتك .. وانا كنت نازل اشترى شوية حاجات كده للمركز رفع بلال حاجبيه قائلا: – يعنى هى جوه دلوقتى ؟ أومأ المساعد برأسه ثم قال : – قالتلى اجيب الحاجات دى.. ولما ارجع هى هتمشى على طول أخذ بلال الأشياء من يد المساعد وقال : – خلاص امشى انت .. النهاردة أجازة بمناسبة رجوعى
كانت عبير تجلس على مقعده خلف مكتبه وهى تقلب أوراقه وتحاول فهم ما بها برغم صعوبتها .. شعرت بمقبض الباب يفتح فعقدت جبينها وأنزلت النقاب على وجهها ونهضت واقفة بتوتر .. عقدت جبينها بقوة وهى لا تعلم أنها سترى أحب الوجوه إليها على الأطلاق .. فُتح الباب ولكن أحداً لم يدخل ولكنها سمعت صوته يقول : – خايف ادخل فجأة تتخضى
صرخت عبير ووضعت يدها على فمها وجرت باتجاه الباب وفتحته بلهفة لتنظر إليه وإلى ابتسامتة التى زينة وجهه وابتلعت ريقها وهى تحدق به غير مصدقة أنه يقف أمامها .. لم تمضى عليها ثوان حتى دارت رأسها وسقطت مكانها ولكنها لم تفقد الوعى … حملها بلال وأغلق الباب خلفه بقدمه وتوجه بها إلى مقعد الكشف الكبير ووضعها برفق ورفع النقاب عن وجهها وهو يقول بلوعة : – عبير.. أنتِ كويسة ؟ نظرت إليه بعيون دامعة وهى تقول بوهن :
– أنت بجد ولا حلم؟ أبتسم وهو يمسح على وجنتها ويمرر أنامله على وجهها وهو يقول هامساً : – بجد يا حبيبتى ..أنا طلعت النهاردة وقلت أعملكم مفاجأة بس اظاهر انى غلط وضعت يدها على وجهه تتحسسه باضطراب وهى مازالت غير مصدقة وتقول : – يعنى انا مش بحلم .. قالت كلمتها وبدأت فى بكاء مرير ولفت ذراعيها حول رقبته وعانقته بقوة وهى تتشممه وتبكى وتنتفض وتقول هاتفة : – يارب مكنش بحلم .. يارب تكون حقيقى يا بلال.. يارب تكون رجعتلى يا حبيبى
ضمها إليه بقوة وهو يمسح على ظهرها برقة وقد اغرورقت عيناه بالدموع من فرط تأثره بكلماتها وهو يقول مطمئناً : – أطمنى يا حبيبتى.. أنا هنا والله.. أنا بجد .. أطمنى … وحشتينى وحشتينى أوى رفعت رأسها من صدره ونظرت إليه مرة أخرى وهى تمسك بوجهه بين راحتيها وقالت : – شفت الولاد وماما ولا لسه هز رأسه نفياً وهو يقول مبتسماً : – أنا لما عرفت انك هنا مقدرتش أروح فى حته تانية.. دخلتلك على طول
أنتبهت عبير وهى تقول : – هو الممرض بره ؟ هز رأسه نفياً مرة أخرى وتلمس وجنتها وهو يتأملها قائلاً بشوق : – متقلقيش ..أنا مشيته وقفلت باب المركز من جوه .. يعنى أحنا لوحدنا دلوقتى نظرت له وابتسمت بحب فقال بمرح : – فاكرة الكرسى ده لما قعدتى عليه أول مرة وكنتِ خايفة أحسن اكشف عليكى ضحكت وهى تحيط عنقه بيدها قائلة : – فاكرة نهض من مقعده وجلس جوارها قائلا بخفوت : – هى رجلك عاملة أيه دلوقتى ؟!
ضحكت عبير برقة وحب وشوق كبير .. ها قد استعادت الزهرة عبيرها وشذاها الخلاب وكأنها عادت للحياة من جديد , بلمسة من بستانيها الخبير, لتتفتح وتزدهر على ألحان قلبه وهو يسقيها بعذب كلماته التى ينتقيها دائما لها, كما يتلمس البستانى زهوره بحب واهتمام ورقة … وضمير . هتفت أم فارس وهى توجه كلامها لأم يحيى قائلة : – يالا بسرعة يا ام يحيى زمانهم على وصول وضعت أم يحيى القدر على النار وهى تقول :
– مش كانوا بلغونا من بدرى كنا عاملنا أصناف كتير مسحت مُهرة العرق من جبينها بظهر يدها وهى تقول بحماس: – كده خلاص الرز كمان خلص .. قالت أم يحيى لمُهرة : – تصدقى يا بت يا مُهرة.. أول مرة أعرف أنك بتعرفى تطبخى قالت أم فارس معاتبة : – وهتعرفى منين متخاليناش نتكلم بقى ضحكت مُهرة وهى تضع قبلة صغيرة على وجنة أم فارس قائلة : – خلاص بقى المسامح كريم غيرت أم يحيى مجرى الحديث قائلة :
– أنا حاسة ان الأكل ده مش كفاية قالت مُهرة مبتسمة وهى تقطع خضروات السلطة : – اصلاً الدكتور فارس لما بيكون مبسوط مش بياكل كتير.. علشان كده متتعبيش نفسك المهم بس السلطة جنب الأكل علشان بيحبها أوى توجهت أم يحيى خارج المطبخ وهى تقول : – أنا سامعة دوشة تحت ..هروح اشوف خناقة دى ولا أيه خرجت أم يحيى بينما انتفض قلب مُهرة وهى تقول بخفوت : – شكلهم وصلوا
نظرت لها أم فارس متسائلة بينما خرجت مُهرة تهرول متوجهة إلى غرفة أم فارس وبدلت ملابسها التى كانت ترتديها فى المنزل وارتدت ملابسها ووضعت الحجاب على رأسها وخرجت مسرعة إلى المطبخ فلم تجد أم فارس وسمعت صوتها وصوت والدتها آتى من الشرفة فخرجت إليهما سريعاً وهى تلتقط أنفاسها بصعوبة والابتسامة الواسعة مرتسمة على شفتيها وقد أيقنت أنه قد جاء ..
وقفت بجوارهما فى الشرفة لتنظر إلى جيرانهم وأهل شارعهم البسيط وهم ملتفون حوله والدكتور حمدى يقف بجواره مبتسماً وسعيداً بهذا الحب الذى يحظى به فارس من الجميع … شعرت أن قلبها سيخرج من صدرها ويقفز من الشرفة إليه وضعت يدها على صدرها تمنعه وتصده عن الجنون واحمر وجهها بشدة وتسللت الدموع من مقلتيها رغماً عنها مختلطة بابتسامتها التى ملأت وجهها …
رفع فارس وجهه للشرفة وهو يحاول تخطى الجميع بصعوبة ليستطيع أن يرى والدته التى كانت تهتف باسمه وتدعوه للصعود بسرعة .. كانت تلك النظرة كفيلة أن يراها ولو لثوان ويرى تعابير وجهها ودموعها .. تراجعت مُهرة خطوة للوراء وهى تلتقط أنفاسها بصعوبة وشعرت أنها لن تستطيع أن تحتمل هذا اللقاء ..
خرجت من الشرفة تجرى إلى باب الشقة , فتحته وصعدت مسرعة وهى تسمع وقع أقدامه على السلم يصعد بسرعة أكبر من التى تصعد هى بها , ولكن خوفها من لقاءه جعلها تسرع أكثر حتى وصلت لباب شقتها .. أختفت بعيدة عن السلم واستمعت لوقع أقدامه وهو يقترب من شقته ويتبعه الدكتور حمدى .. وسمعت والدته وهى تبكى وتهتف باسمه . عانقته والدته بلهفة وحنان وضمته إلى صدرها بقوة وهى تبكى .. جعل يمسح على رأسها وظهرها وهو يقول :
– وحشتينى أوى يا أمى . دخل شقته وهو يلف ذراعه حول كتفها وهو يقول للدكتور حمدى : – أتفضل يا دكتور أتفضل ثم نظر إلى أم يحيى التى كانت تقول بفرحة : – ألف حمدلله على سلامتك يا دكتور أبتسم فارس وهو يومىء برأسه قائلا: – الله يسلمك يا ست أم يحيى تجولت عيناه فى المكان سريعاً … كان يتوقع أن يراها ولكنها غير موجودة .. تحول بنظرة إلى المطبخ فربما تكون هناك , وهنا قالت والدته وهى تضيق عينيها بمكر :
– بتدورعلى حد ؟ ألتفت برأسه إليها وقال متلعثماً : – ها لالا مفيش ..أنا بس هموت من الجوع وحشنى أكلك أوى يا ماما قالت وهى تشير لعينيها : – من عنيا يا حبيبى سمع أم يحيى وهى تقول موجهة كلامها لأم فارس : – هى البت مُهرة مش كانت واقفة معانا فى البلكونة.. أختفت فين البت دى فجأة قالت أم فارس مبتسمة : – شكلها طلعت فوق
ظلت مُهرة واقفة أعلى الدرج أمام باب شقتها, لا تعرف ماذا تفعل , تخاف من مواجهته , أن ينظر إليها بعد الخاطرة التى كتبتها على ظهر الصورة وأرسلتها إليه قاصدة أن تخفف عنه وتلهمه الحل وهدوء النفس فى حالة معرفته بما فعلت زوجته به .
