روايه كامله للكاتبه دعاء عبدالرحمن -3

رفع فارس وجهه بعد أن انتهى من قراءة الخطاب الذى قدمته إليه والدته بعد انصراف الدكتور حمدى وأم يحيى وكان وجهه محتقناً بشدة وصدره يعلو ويهبط بجنون , الآن فقط علم لماذا ! , هب واقفاً واتجه نحو الباب بغضب شديد , حاولت والدته منعه ولكنها لم تستطع .. أتجه إلى بيتها فى غضب شديد وبمجرد أن اقترب أخرج سلسلة مفاتيحه الخاصة لسوء حظ دنيا كان مازال محتفظ بمفتاح شقتها منذ أن كان معها هناك بعد وفاة والدتها .. وبدون مقدمات فتح الباب ودخل فلم يجد إلا الهدوء والسكون ..

دار فى الشقة سريعاً وقسمات وجهه تنطق ضيقا وغضبا فلم يجدها , دخل غرفتها مرة أخرى وأخرج ملابسها من الخزانة بعصبية وقذف بها فى كل مكان باحثا عن أى شىء آخر يدينها .. أمتلأت أركان غرفتها بملابسها وانقلبت الغرفة رأساً على عقب .. وأخذ مقعد وجلس ينتظرها والشرر يتطاير من عينيه .. مرت ساعة من الوقت وإذا به يسمع المفتاح يدور فى الباب من الخارج فعلم أنها قد حضرت أخيراً ..

فتحت دنيا الباب بارهاق واضح ووضعت بعض الأطعمة التى أحضرتها على الطاولة ثم توجهت إلى غرفة نومها لتبدل ملابسها ولكنها تسمرت مكانها بمجرد أن فتحت الباب لتجد ملابسها مبعثرة فى كل مكان, حدقت فى الغرفة لبرهة قبل أن تشعر بيد تمتد إليها من خلف الباب لتجذبها من شعرها بقوة وتطرحها أرضاً … سقطت دنيا على الأرض وهى تصرخ ولكن صرختها تحاشت فى حلقها عندما نظرت إلى وجه مهاجمها .. وقالت بفزع :

– فارس !

تقدم نحوها وعينيه ينبعث منها الشرر والغضب , تراجعت للخلف وكأن لسعات غضبه تطولها فتحرقها .. نظر لها بأحتقار ورفع يده وصفعها بقوة على وجهها وهو يهتف بها :

– حقيييرة

وقعت على المقعد الصغير وقبل أن تنهض تقدم منها بسرعة وقبض على شعرها بقوة وهو ينظر إليها بتقزز واشمئزاز قائلا بصوت مُخيف :

– قبلتى تتجوزينى ليه لما انتِ مش عاوزانى من الأول .. روحتى لباسم علشان يخلصك منى ها ..

صرخت من قبضته التى تمزق شعرها وهو يهزها منه بعنف متابعاً :

– وتضحكى عليا وتقوليلى سواق تاكسى خطفنى واغتصبنى .. وكمان عملتى عملية علشان تخدعينى أكتر.. لولا أن ربنا كشفك وعمليتك باظت … وبعد ما سترت عليكى ومفضحتكيش تسجنينى أنا واصحابى علشان القضية يا حقيرة …

دفعها بقوة إلى الفراش وهى تصرخ وتنظر إليه بفزع ,حاولت أن تتشبث بالفراش لتنهض ولكنه جذبها إليه ووضع يده حول رقبتها وهو يحدق بها بنظرات لم تراها منه أو من غيره طيلة حياتها .. نظرات مُميتة … وسمعت صوته التى كان يأتى من بئر سحيق وهو يقول بصوت أرعبها :

– كنتِ عاوزاهم يقتلونى فى أمن الدولة وتخلصى مني؟ .. كنتِ مستعجلة على الفلوس أوى كده ؟ بتحبي الدنيا أوى كدة ؟.. طالما بتحبيها كده ..أنا بقى هحرمك منها ودلوقتى .. حالاً .. وبدأ يقبض على رقبتها بقبضته بقوة وهى تنتفض بين يديه وتحدق به مذعورة وقد احتقن وجهها وبدأت دماء الحياة تفارقه .. وشعرت أنها ستموت فى هذه اللحظة وتنتهى .. ولكن فجاة شعرت أن الدماء بدأت تعود إليها من جديد والهواء يعانق رئتيها وشعرت بارتخاء أصابعه حول رقبتها ونظرت إليه وهو يقول لها :

– أنتِ خسارة فيكى الواحد يضيع نفسه علشانك .. وارتطمت وجنتها بصفعة أخرى وصرخ فيها قائلا: – بس مش هطلقك واريحك.. خاليكى مرمية هنا علشان وقت ما يجيلى مزاجى وأعوز اقتلك ابقى عارف طريقك بصق عليها ونظر إليها باحتقار وغادر المكان وهو يشعر بالتقزز والنفور وأغلق الباب خلفه بقوة أرعبتها وانتفض لها جسدها الذى لم يعد يستطع أن يتحمل كل هذا الرعب والخوف والفزع, أغمضت عينيها وابتلعت ريقها وهى ترتعش وبدأت فى بكاء هيستيرى .. كانت تريد كل شىء ففقدت كل شىء , حتى حياتها كادت أن تفقدها …فى لحظة غضب

عاد إلى منزله مساءا وهو يشعر أنه قد فقد جميع قواه وبذل مجهوداً نفسياً مضنياً .. هبت والدته منتفضةً واتجهت إليه متلهفةً وقالت : – كده يا فارس تعمل كده فيا انا كنت هموت من الخوف عليك تنفس بعمق ثم ربط على كتفها مطمئناً وهو يقول بإرهاق: – معلش يا أمى أنا آسف كان جوايا شحنة وعاوز اطلعها فى مكانها اللى يستهالها نظرت إليه متفحصة بقلق وهى تتسائل : – روحتلها مش كده ؟ عملت فيها حاجة ؟

هز رأسه نفياً وهو يقول بابتسامة واهنة : – متخافيش عليا.. أنا فشيت غلي فيها وخلاص.. هو أنا مجنون أضيع نفسى فى واحدة زى دى أخذته من يده كالأطفال وذهبت به إلى غرفته وأجلسته إلى فراشه قائلة : – نام شوية طيب ..شكلك تعبان أوى ده انت حتى مستريحتش من ساعة ما رجعت

خرجت وتركته يهوى بجسده المنهك فوق فراشه وهو يفكر فى زوجته وما فعلته به منذ أول يوم زواجهما وحتى هذه اللحظة ويتسائل عن سبب واحد فعله معها جعلها تنكر كل شىء وتقذف به خلف ظهرها وتخطوا فى طريقها على جثته بهذا الشكل القبيح .. فلم يجد شىء إلا دنائتها .. فالشخص الدنىء لا يؤثر فيه معروف ولا يستقبح مُنكراً .. لقد أخطاء منذ اللحظة الأولى عندما قبل الأرتباط بفتاة مثلها , لم يعطى بالا وهو يقرر الارتباط بها لحديث النبى صل الله عليه وسلم أظفر بذات الدين تربت يداك…

وكانت هذه هى النتيجة, غطى الطمع عينيها ولم تجد ديناً يُردعها فما كان منها إلا الخيانة … أغمض عينيه فى سكون وهو يشعر فيهما بألم شديد وكأن نغزات شوك شديدة تنغزه من كثرة الإرهاق والتعب والجهد , ورغم أنها الليلة الأولى التى سينامها على فراشه بعد كل ما مر به إلا أنه لم يرتاح , وظلت رأسه تدور حتى سقط فى نوم عميق فجأة وكأن النوم بئر قد أُسقط فيه رغما عنه على حين غره

فى الصباح استيقظ على صوت رنين الهاتف فنهض وهو يشعر بألم فى عظامه شديد .. نهض بتاكسل وتثاقل وعندما فتح الباب سمع والدته تتحدث فى الهاتف قائلة : – لاء لسه مصحيش .. يابنتى أطمنى ليه القلق اللى انتِ فيه ده .. قلتلك امبارح أنه جه كويس ودخل نام .. لاء متخافيش لو كان حصل حاجة كان هيبان عليه يعنى ….. طيب ماشى خلاص ..مع السلامة أنهت المكالمة واستدارت لتجده يقف بجوار باب غرفته عاقداً ذراعيه أمام صدره والابتسامة تعلو وجهه وهو يقول :

– كانت بتطمن عليا مش كده ؟ أبتسمت والدته بمكر وهى تقول بلامبالاة : – هى مين دى قصدك مين اقترب منها وقبل وجنتها وهو يقول بمرح : – مش عارفة مين يا ست أم فارس ضحكت وهى تتجه للمطبخ فدخل خلفها وهو يقول بأصرار : – ممكن بقى تحكيلى كل حاجة مكنتش واخد بالى منها ألقت عليه نظرة وهى تعد الأفطار ثم قالت : – وانا مالى أسأل صاحبة الشأن تنهد بقوة وهو يقول :

– اسألها ازاى بس.. مش هينفع اكلمها أصلا وضعت والدته طبقين فى يديه ثم أخذت بقية الأطباق وخرجت من المطبخ وهو يتبعها وقالت : – والله لو دخلت البيت من بابه هينفع تكلمها ونص كمان جلس على المقعد خلف المائدة وهو يقول مراوغاً: – أنتِ شايفة كده يعنى ؟ نظرت له نظرة جانبية وضربته على كتفه وهى تقول : – يا واد بطل تتلائم عليا .. ده انت عاوزها النهاردة قبل بكره ضحك وهو يمسك يدها التى ضربته بها وقبلها ثم قال :

– هو انا معرفش أهزر معاكى شوية يا حجة.. علطول فقسانى كده أبتسمت فى سعادة وقالت : – تحب احددلك معاد أمتى أخرج هاتفه من جيبه ووضعه أمامها على المائدة قائلا: – دلوقتى نظرت إلى الهاتف ثم نظرت إليه بدهشة وقالت : – أنت بتكلم جد يا واد أخذ الهاتف وضغط رقم منزلها وأعطاها الهاتف وهو يومىء برأسه أى ..نعم أخذت الهاتف مبتسمة بدهشة من تصرفاته الصبيانية وكأنها ترى ولدها لأول مرة ! ****** نظرت أم يحيى إلى مُهرة التى كانت تفرك يديها بتوتر بالغ وقد احمرت وجنتيها بشدة بعد أن أخبرتها بطلب فارس وقالت لها :

– يعنى مردتيش عليا يا مُهرة.. أوعى تكونى مستغربة زيى انا وابوكى لم تستطع أن ترفع وجهها , كان الخبر كفيل بأن يفقدها وعيها ويلجم لسانها .. ها هو حبيب العمر يتقدم طالباً الزواج منها ثانى يوم تحرره من الأسر وكأنه لم يكن فى أسر السجون فقط .. هزتها أمها من كتفها وهى تقول : – يابنتى ردى على ابوكى رفعت مُهرة رأسها إلى والدها الذى قال : – هتعملى فيها مكسوفة.. ما تردى على طول ها اقوله أيه.. موافقة ولا رافضة

همهمت فى خفوت فلم يسمعها أحد منهما …هتف والدها بصوت عالى انتفضت له وهو يقول : – متعلى صوتك جلست والدتها بجوارها وهى تقول : – حبيبتى .. المرة دى مش هنجبرك على حاجة.. أنتِ حره متخافيش.. أنا عارفة انه أكبر منك بعشر سنين واكتر وانتِ بتعتبريه زى اخوكى الكبير و…….. قاطعتها مُهرة فجأة وهى تقول بسرعة : – موافقة – فارس أنت بتهزر ولا بتكلم جد؟! ضحك فارس وهو يجيب عمرو عبر الهاتف النقال :

– هى الحاجات دى فيها هزار يا عبيط اخواتك انت ..طبعا بتكلم جد قال عمرو بمرح : – أصل مش معقول .. أنت عارف انت اكبر منها بكام سنة ولا ناسى …طب وهى وافقت ازاى تنحنح فارس وهو يقول : – وأيه المشكلة .. مش فاهم تنهد عمرو وقال : – طب وهى قالتلك أيه ..وافقت على أساس أيه يعنى أبتسم فارس ابتسامة واسعة وهو يقول :

– بينى وبينك انا كنت هموت واشوفها واتكلم معاها.. لما طلعت عندهم فى البيت لما كنت بتفق مع والدها على التفاصيل, بس هى بقى مرضيتش تخرج وامها قالتلى انها لو خرجت دلوقتى هيغمى عليها من الكسوف .. ضحك مرة أخرى وهو يقول : – حتى لما اتلككت وقلتلهم طيب لو هى عاوزه تسألنى على حاجة هتعمل أيه ..وانا لو عاوز اسالها على حاجة هعمل ايه … مامتها دخلت كلمتها وخرجت تقولى .. بتقولك لو عاوز تسألها على حاجة قول لماما .. وماما هتقولى وانا هرد عليك عن طريقها ..وانا مش عاوزه اسأله على حاجة علشان انا عارفة كل حاجة!

ضحك عمرو ضحكات رنانة وقال : – للدرجة دى مكسوفة منك ..سبحان مُغير الأحوال … قولى بقى الخطوبة أمتى كده رفع فارس حاجبيه وقال : – خطوبة ايه يا عم الحاج ..هو انا بتاع خطوبة ..تفتكر يعنى لسه هخطب بقى وأغض البصر وكده ..وبعدين هى كمان بقت تكسف منى أوى وأنا عاوز أخاليها تاخد عليا شوية .. أحنا اتفقنا على كتب الكتاب على طول عمرو: – طب قولى أمتى بقى علشان أجى احضر فارس :

– كنا هنخاليها الخميس بس علشان سيادتك بقى هنخاليها الجمعة قال عمرو مداعباً : – تصدق يا فارس انا عمرى ما شوفتك كده أبداً .. حتى فى جوازتك الأولى مكنتش فرحان أوى كده للدرجة دى بتحبها زفر فارس بقوة محاولاً أخراج جميع انفعالاته وقال :

– بحبها أيه يا أخى.. أنا مش لاقى كلمة توصف أحساسى بيها .. أنا لما بلال كلمنى فى السجن ونبهنى.. حسيت بعدها انى عاوز أكسر حيطان الزنزانة وأخرج اشوفها .. كان نفسى اشوفها أوى يا عمرو.. ساعتها حسيت بالسجن فعلا كان هو ده سجنى الحقيقى .. أنا مش عارف انا ازاى مخدتش بالى العمر ده كله

انت في الصفحة 12 من 12 صفحاتالتالي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
0