
– أنت متخانق مع خطيبتك
أستدار إليها بنفس الأبتسامة الباهتة وقال:
– ولا متخانق ولا حاجة .. بس تعبان شوية ومحتاج ارتاح
أم فارس:
– مش عادتك يعنى تعامل مُهرة كده.. ده انت كنت بتذاكرلها فى الامتحانات كأنها فى ثانوية عامة
أتجه إلى غرفته مرة أخرى وهو يقول:
– هنام شوية وقبل ما اروح المكتب هصالحها ان شاء الله
دخل غرفته وأغلق الباب خلفه وهى تنظر إلى الباب المغلق بدهشة , أبدل ملابسه وألقى بجسده المرهق على فراشه وأغمض عينيه يطلب الأسترخاء قليلا , ولكن من أين تأتى الراحة فقلبه غير مستقر, والقلب المجهد يجهد معه البدن دائما , لا ينفك إلا فى التفكير فى حياته بعد يومين أو ثلاثة عند ظهور النتيجة , كيف ستكون , وماذا سيحدث إن تم رفضه
يجافيه النوم دائما عند الوصول لهذه النقطة الصماء, لا يريد التفكير فيما بعدها بل لا يريد التفكير فيها من الأصل, فى المساء وهو يغادر لعمله ذكرته والدته بمُهرة فأومأ برأسه موافقا ولكنه لم يكن لديه أى حماس للصعود إليها او مداعبتها كما كان يفعل, فتوجه للمكتب على الفور , أنهى دبلومته التى عكف عليها والتى أهلته للدبلومة الثانية ولكنه لم يكن متحمسا بالشكل المطلوب , فهو لم يحلم يوما بهذه الدرجات العلمية, بل كان حلمه الوحيد هو النيابة فإلى متى ستظل أحلامه كما هى أحكام القضاء أحيانا, مع وقف التنفيذ.
مرت شهور آخرى وبدأ فى دبلومته الثانية والحال هو الحال , النتيجة لم تظهر بعد , وهو يكاد يكون منفصلاً عن واقعه تماما , حتى حانت اللحظة الفارقة واستدعاه الدكتور حمدى إلى حجرة مكتبه , بمجرد وصوله للمكتب مساءاً طرق الباب ودخل بعد الأستأذان , نظر إلى الدكتور حمدى نظرة متفحصة وهو يقول ببطء: – فى حاجة يا دكتور نهض الدكتور حمدى ووقف قبالته وتنحنح قائلا: – نتيجه النيابة طلعت يا فارس .. أنا عرفتها النهاردة الصبح بس قلت لما اشوفك بالليل ابقى ابلغك
خفق قلب فارس وزادت نبضاته بقوة وشعر بألم فى جميع أجزاء جسده ومرت الثوان عليه ساعات وهو ينظر فى عينيى الدكتور حمدى اللتان كانتا خاليتان من أى علامات البشرى وهو يقول: – كل شىء نصيب يا فارس .. وان شاء الله تلاقى نفسك فحاجة تانية أصابه التبلد وعدم التصديق للحظات وهو يكرر: – يعنى قبلونى ولا لاء ربت الأستاذ حمدى على كتفه مشجعاً داعماً له وهو يقول:
– أنت أنجزت الدبلومة الأولى بسهولة ومشيت شوط كبير فى التانية وهتكمل الماجيستير ان شاء الله وبعدها الدكتوراة ومش هتحتاج النيابة دى خالص.. أنت ليك مستقبل كبير فى المحاماة وانا أصلا كنت مستخسرك فى حكاية النيابة دى هوى فارس إلى أقرب مقعد وهو يشعر بأنه يهوى من فوق سبع سموات , وكأن روحه فارقت جسده , حلم جميل واستيقظ على واقعه المرير, زاغت عيناه بدون هدى, هتف بداخله ولكن هتافه أصاب شفتاه وهو يقول: – طب ليه.. ليه .. أنا جايب التقديرات المطلوبة وجاوبت كل الأسئلة اللى اتسألتها فى المقابلات من غير ولا غلطة.. يبقى ليه طيب ليه
جلس الأستاذ حمدى بجواره وهو يشعر بالأسى لأجله وقال بشفقة: – يابنى انت مش عايش فى البلد دى ولا أيه.. بصراحة يا فارس انا من الأول وانا متأكد من النتيجة حتى من غير ما تدخل الامتحانات.. مفيش حد بيتعين فى المهنة دى إلا اذا كان ليه واسطة جامده .. عم أو خال أو قريب وكيل نيابة .. وكمان مش أى وكيل نيابة.. ده لازم يبقى وكيل نيابة مرضى عنه يابنى ألتفت إليه فارس بحدة قائلا:
– مرضى عنه من مين نظر إليه الأستاذ حمدى قائلاً: – يعنى مش عارف يا فارس ! واستدرك قائلا: – وانا يابنى لو كان مرضى عنى كنت اتوسطلك .. بس انت عارف انى طول عمر راجل دوغرى ومش تبع حد .. وهما عاوزين حد تباعهم ..علشان كده كانت وسطتى هتضرك مش هتنفعك
وضع فارس وجهه بين كفيه وهو غير مصدق ما يسمع , ها قد انهارت أحلامه على صخرة الفساد المتفشى فى المجتمع والذى توارثناه جيلاً بعد جيل حتى أصبح شىء طبيعى للغاية, فالعين عندما تعتاد على القبح لم تعد تراه قبيحًا بل لو رأت جمالاً بعده نفرت منه واستنكرته وقبحته , بدون أرادة منه وجدت العبرات طريقها لعينيه أخيراً فزفر زفرة ساخنة يائسة وقال بصوت متحشرج: – ليه يا دكتور مفهمتنيش كده من زمان قال الأستاذ حمدى وهو يتطلع للفراغ بحزن:
– كان عندى أمل يابنى .. ومكنتش عاوز احبطك .. كنت فاكر ان ممكن حاجة تتغير لكن مع الأسف بالعكس ده الفساد بيزيد يوم عن يوم ثم أردف قائلا: – أتعمل عليك تحريات فى مكان سكنك..وكان من ضمن أسباب الرفض أنك ساكن فى مكان شعبى وليك صديق ملتحى توقفت الدموع دفعة واحدة ونظر إليه مندهشاً قائلا باستنكار : – طب وده يخليهم يرفضونى حتى لو كنت كفأ أبتسم الدكتور حمدى ابتسامة خلت من أى تعبيروقال بسخرية مريرة:
– هو انت فاكر ان التعين بالكفاءة.. ده انت غلبان أوى.. يالا يابنى قوم وانسى كل حاجة وابدأ حياتك من جديد.. وأيه يعنى حلم يضيع ووراه أحلام تانية كتير.. يمكن تكون أفضل منه . نهض فارس واقفاً بوهن وقال بصوت بعيد: – ممكن أخد باقى اليوم أجازة يا دكتور.. أنا مش هعرف اركز فى شغل النهاردة أومأ الأستاذ حمدى وهو يربت على كتفه بعطف قائلا: – طب خلاص روح انت ارتاح ومتشلش هم
خرج فارس من حجرة الدكتور حمدى واجماً يتحاشى النظر لزملاءه فى مكتبه وهو يجمع بعض أوراقه الخاصة وهم يتابعونه بنظراتهم المتسائلة , نهضت دنيا من خلف مكتبها واتجهت إليه وعلامات التساؤل والفضول تشع من عينيها , أقتربت منه متسائلة: – مالك يا فارس ايه اللى حصل جوى عند الدكتور هز رأسه نفيا وهو يقول: – مفيش حاجة يا دنيا … دنيا بأصرار: – لاء..شكلك فى حاجة زفر بضيق وقال بعصبية: – بقولك مفيش.. طوى أوراقه وهو يقول:
– لما ارتاح شوية هبقى اكلمك فى التليفون ..سلام وقفت تنظر إليه بدهشة واتجهت لتعود لمكتبها , ولكن نورا لم تنتظر أكثر من هذا تبعته للخارج ولحقت به عند المصعد وقبل أن يستقله سألته قائلة: – أستنى يا أستاذ فارس أستدار إليها بدهشة كبيرة ونظر إليها بصمت فقالت بتردد:
