
– الدكتور قالك حاجة زعلتك
هز رأسه نفيا لا يخلو من التعجب وقال:
– متشكر على سؤالك يا أستاذة .. محصلش حاجة انا بخير الحمد لله
وكاد أن يفتح باب المصعد ولكنها استوقفته مرة أخرى قائلة:
– موضوع النيابة مش كده؟
زادت دهشته ولكنها لم تنسيه ألمه بعد فقال حانقاً وهو يغادر :
– عن أذنك
أخذ المصعد طريقه للهبوط وهو بداخله وظلت هى تتابعه ببصرها فى حيرة منه ومن اندفاعها هكذا , وأخذت تلوم نفسها بشدة وهى مازالت واقفة فى مكانها فى شرود وصمت أخرجها منه صوت دنيا التى قالت بشك:
– هو فى ايه
ألتفتت نورا إليها بعدم انتباه ولكنها استعادت وعيها سريعاً وقالت بلامبالاة وهى تعود أدراجها إلى المكتب مرة أخرى: – مفيش حاجة يا دنيا ..عن أذنك تابعتها دنيا ببصرها وهى تضيق عينيها بارتياب وتنقل بصرها بين نورا والمصعد ولكنها سرعان ما نفضت عن عقلها تلك الأفكار وعادت لعملها من جديد ولكنها لم تستطع أن تنفضها من قلبها.
لم يشعر إلى أين تأخذه قدميه ولكنه سار فى استسلام شديد لا يعلم كم قضى من ساعات ولكنه كان يمشى فقط فى اتجاه اللاشىء , فقد الأحساس بالزمن وبمن يمر أمامه وحوله وخلفه لا يسمع لشىء ولا يرى شىء , لم يرى إلا نظرات والدته المكسورة وهى تستمع للخبر , لم يسمع إلا شهقات أصدقائه وجيرانه دهشةً ولوعةً عند معرفتهم بالخبر, ماذا سيقول لهم , هل يقول لقد رفضونى من أجل حياتى بينكم وحبكم لى وحبى لكم , ماذا سيقول لصورة والده المحتفظ بها فى غرفته تنتظر النتيجة بفارغ الصبر, هل يقول له عفواً والدى لقد رفضونى لأنهم لا ينظرون للكفاءة
ولي صديقاً ملتحياً , هل يقول لقد رفضونى لأنك يا والدى لست قاضياً أو ومستشاراً أو وكيل نيابة , أو أنك ليس لك أخ أو قريب موالياً لهم يتوسط لى عندهم, وجد نفسه عائداً لمنزله , كيف ومتى لا يعلم, ولكن من الواضح أن قدميه قد حفظت الطريق عن ظهر قلب فأشفقت عليه وحملته إلى بيته بدون توجيه منه
كان الوقت قد تعدى منتصف الليل فحمد الله أن الجميع نيام ولم يراه أحد وقرأ ما كتب على جبينه من شقاء , دخل غرفته فى خفوت ولم يجرؤ على النظر لصورة والده التى يحتفظ بها بجانبه , خاف أن ينظر إليها فيرى العبرات تقفز منها لتبلل وجهه وتخنقه وتغص حلقه وتشقيه , فلقد شقى بما يكفى اليوم.
ظل يتقلب فى سهاده طوال الليل حتى كاد أن يلفظه فراشه ويطرده بعيدًا عنه ليظل خاليا للأبد , فذلك أفضل له من هذا الحانق الغاضب الذى يرقد عليه دائما, بالكاد استطاع أن ينام بعد أذان الفجر , بل ويغط فى نوم عميق , ولكن أحلامه وكوابيسه طاردته حتى فى النوم ولم تتركه ينعم به. أستيقظ فزعاً على صوت والدته التى كانت واقفة بجوار فراشه توقظه وتهتف به: – قوم يا فارس قوم يابنى أتأخرت على شغلك الساعة بقت تسعة
تقلب على فراشه وقال دون أن يفتح عينيه : – معنديش شغل النهاردة يا ماما جلست على طرف فراشه بدهشة ممزوجة بالقلق وهى تقول: – من أمتى بقى انت بتاخد أجازات.. مالك تعبان ولا أيه وضع الوسادة على وجهه وهو يقول: – مجهد بس شوية .. سيبينى اصحى براحتى لو سمحتى يا ماما
تركته والدته , خرجت وأغلقت الباب خلفها , توضأت وصلت الضحى وظلت تعمل بالبيت حتى الظهيرة وعندما دخلت المطبخ لتعد طعام الغذاء استمعت لرنين الهاتف فشعرت بأن المتصل ماهو إلا دنيا بالتاكيد فقررت تجاهله ولكن الرنين ظل متواصلاً بأصرار حتى اسمعت إلى صوت باب غرفة فارس يفتح وسمعته يجيب الأتصال فخرجت من المطبخ تنظرإليه وهو يتحدث : – أنا فى البيت يا دنيا – ده انت تعبان بجد بقى ! قال بتردد: – لا أنا كويس بس ….
نظر إلى والدته وركز بصره عليها وهو يخشى من ردة الفعل وقال: – الدكتور حمدى بلغنى انهم رفضونى فى النيابة شهقت والدته وهى تضع يدها على صدرها واتسعت عينيىها بصدمة بينما وهتفت دنيا غير مصدقة: – بتقول ايه يا فارس قال مؤكداً وقد لمعت عيناه بالدموع وهو ينظر إلى والدته التى بدا عليها عدم الأتزان واستندت إلى الجدار بجوارها : – بقولك رفضوا يا دنيا رفضونى هتفت دنيا صارخة فى نفس اللحظة التى سقطت والدته فيها مغشياً عليها.
*** الفصل السابع “ها يا دكتور ماما عاملة ايه” نطق فارس هذه العبارة وهو يفرك يديه فى توتر بالغ و ينظر إلى الطبيب بقلق,دَون الطبيب أسماء بعض الأدوية فى ورقة من دفتره ثم فصلها وأعطاها لفارس قائلاً: – متقلقش والدتك كويسة الحمد لله ..الضغط بس علي عليها شوية.. بس مفيش حاجة خطر الحمد لله ألقى فارس نظرة على الورقة بيده فقال الطبيب متابعاً: – دى أقراص بسيطة كده للضغط لازم تواظب عليها
خرج فارس بصحبة الطبيب من غرفة والدته وهو يقول متسائلاً: – طب هى هتفوق أمتى يا دكتور نهض عمرو واقفاً هو ووالدته وهو يستمع لحديث الطبيب الذى كان يجيب فارس قائلاً: – أنا ادتها حقنة تنزل الضغط وهتفوق دلوقتى ان شاء الله ..متقلقش خرج الطبيب من المنزل وأغلق فارس الباب خلفه واستدار فى مواجهة عمرو الذى قال بلهفة: – خير يا فارس؟؟ جلس فارس وهو يقلب الروشتة بين يديه وكأنه فى عالم آخر وقال بشرود:
– الدكتور بيقول ضغط .. كنت متأكد أنها مش هتستحمل الصدمة توجهت والدة عمرو داخل الغرفة التى كانت أم فارس ترقد بها وهى تقول بتبرم: – ضغط أيه وبتاع أيه .. هو حد يصدق كلام الدكاترة شد عمرو على يده قائلا: – بسيطه يا فارس ان شاء الله.. متشيلش نفسك أكتر من كده.. أنت ملكش ذنب ..أنت كمان اتصدمت.. بس ولا يهمك انت مجال شغلك مفتوح وانت شاطر ….مش هتقفل على حكاية النيابة دى يعنى.. ركز بقى فى الماجيستير وبعده الدكتوراه وفى جوازك
