روايه كامله للكاتبه دعاء عبدالرحمن -1

أغلقت الهاتف وهى مازالت تتفحصه بابتسامتها المستكشفة , شعر عمرو بالحرج فقال:

– طيب أنا ممكن استنى بره مش عاوز اعطل حضرتك اكتر من كده

أنتبهت لعلامات الحرج التى ظهرت على ملامحه فعادوت النظر إلى ملفه مرة أخرى وهى تغلقه قائلة:

– الأستاذ صلاح هيجى دلوقتى علشان يوريك مكتبك ويعرفك على زمايلك فيه

طرق الباب ودخل صلاح , رجل فى أواخر العقد الخامس من عمره , يظهر عليه الوقار والنشاط فى نفس الوقت , دخل وهو يرمق عمرو بنظرات خالية من أى تعبير موجهاً حديثه لإلهام , فقالت بترفع وهى تشير إلى عمرو:

– البشمهندس عمرو مهندس مدنى هيبدأ معانا من النهاردة

أومأ برأسه لها ثم نظر إلى عمرو بابتسامة ودودة قائلاً:

– أهلا بيك يا بشمهندس أتفضل معايا

نهض عمرو شاكراً أياها وتوجه فى سرعة للخارج وكأنه يهرب من وحش نظراتها الملتهمة , دخل حجرة مكتبه بصحبة صلاح الذى قال :

– إن شاء الله الشغل ترتاح فى الشغل معانا يا بشمهندس رفع الزملاء نظرهم إلى القادم الجديد فأشار صلاح إليه قائلاً: – البشمهندس عمرو هيبقى معاكوا فى المكتب من النهاردة ثم قام بتعريفهم لديه قائلا: – البشمهندس أحمد.. البشمهندس نادر صافح عمرو زملاءه فى ترحاب شديد, شعر به مع أحمد وبعكسه تجاه نادر الذى صافحه ببرود وهو يبسم له بتهكم , لم يوله عمرو اهتمام وجلس خلف مكتبه وهو ينظر له وللكمبيوتر الخاص به بنشوة وسعادة ..كانت هذه هى المرة الأولى التى يشاهد فيها الكمبيوتر خارج أسوار الجامعة فهو لم يكن قد انتشر فى هذا الوقت ليصل للجميع بعد.

****   ذهب فارس لصلاة الجمعة فى المسجد الذى اعتاد ارتياده والصلاة فيه وكان فى داخله يتمنى لقاء الشيخ بلال ليتكلم معه ويحكى له ما يجيش بصدره لعله يجد لديه الراحة التى يتلمسها فى كلماته دائماً , وبالفعل عقب انتهاء الصلاة قام يبحث عنه ووجده فى ركن من المسجد يتحدث إلى بعض الشباب ويتمازح معهم بود ويهاديهم ببعض أعواد الأراك وزجاجات المسك الصغيرة التى يحملها دائماً فى جيبه والتى تبعث له دائماً رائحة محببة لكل من يقف بجواره أو يمر بجانبه , وقف ينتظره حتى انتهى من حديثه معهم وعندما لمحه بلال ابتسم وأقبل عليه فرحاً وصافحه بحرارة قائلاً:

– واحشنى والله يا فارس.. أيه يابنى مبقناش نشوفك ليه ودون أن يدرى انسابت عبراته بهدوء وقال بصوت خفيض : – أنا محتاجك أوى يا بلال جلسا إلى أحد أركان المسجد وقال بلال وقد هاله رؤية فارس وعبراته ويستمع إلى صوت آلمه وأحزانه ويأسه وأطرق برأسه أسفاً وهو يسمع منه تجاوزاته التى كانت تحدث بينه وبين خطيبته دنيا ومخالفته لوعده معه من قبل , ظل يستمع إليه فى أنصات شديد حتى انتهى , كان فارس يظن أن بلال سيجيبه ببعض المواساة وربما بعض التقريع أيضا ولكنه وجده يبتسم قائلاً:

– أنا هحكيلك حكاية يا فارس عاوزك تسمعها بقلبك قبل ودنك ..أتفقنا أومأ فارس برأسه و بدأ بلال فى سرد حكاية عن أحد التابعين قائلاً: – رجل يُدعى أبا نصر الصياد ، يعيش مع زوجته وابنه في فقر شديد – مشى في الطريق ذات يوم مهموما مغموما ً، يسأل الله تعإلى الفرج والرزق الحلال فزوجته وابنه يتضوران جوعاً .
مر على شيخه أحمد بن مسكين’ يقول له أنا متعب يا سيدي ..
وقرأ التابعي في وجه تلميذه ما يعانيه ، فقال له اتبعني إلى البحر

فانطلقا إليه، وقال له الشيخ – راغباً في لجوء مريده إلى الله تعإلى : ” صلّ ركعتين على نية التيسير” واسأل الله تعإلى الرزق الحلال الطيب …فصلى ، ثم قال له : “سم الله ” ، – فكل شيئ بأمر الله .. فقالها . .. ثم رمى الشبكة ، فخرجت بسمكة عظيمة . … قال له “بعها واشتر بثمنها طعاماً لأهلك “.
فانطلق إلى السوق يبيعها ، واشترى فطيرتين إحداهما باللحم والأخرى بالحلوى وقرر أن يعود إلى الشيخ فيقدم إحداهما له اعترافاً بصنيعه . ..
رد الشيخ الفطيرة قائلاً : هي لك ولعيالك ، ثم أردف :

” لو أطعمنا أنفسنا هذا ما خرجت السمكة ” وفي الطريق إلى بيته قابل امرأة تبكي من الجوع ومعها طفلها، فنظرا إلى الفطيرتين في يده
وقال في نفسه هذه المرأة وابنها مثل زوجتي وابني يتضوران جوعاً فماذا افعل ؟
ونظر إلى عيني المرأة فلم يحتمل رؤية الدموع فيهما، فقدمهما لها قائلاً:
– الفطيرتان لكما ..
ظهر الفرح والسرور على محياها ، وسعد ابنها سعادة رقصت لها أسارير وجهه..
وعاد أبو نصر يفكر بولده وزوجته .

ما إن سار حتى سمع رجلاً ينادي من يدل على أبي نصر الصياد؟
فدله الناس على الرجل.. فقال له إن أباك كان قد أقرضني مالاً منذ عشرين سنة ثم مات ، خذ يا بني هذه الثلاثين ألف درهم فهو مال أبيك . يقول أبو نصر الصياد
وتحولت غنياً بإذن الله تعإلى وكثر مالي ، و ملكت البيوت وفاضت تجارتي ، وصرت أتصدق بالألف درهم في المرة الواحدة في شكرالله تعإلى ..
ومرت الأيام ، وأنا أكثر من الصدقات حتى أعجبتني نفسي!!

وفي ليلة من الليالي رأيت في المنام أن الميزان قد وضع ونادى مناد : أبا نصر الصياد هلم لوزن حسناتك وسيئاتك ، فوضعت حسناتي ووضعت سيئاتي، فرجحت السيئات ..
فقلت أين الأموال التي تصدقت بها ؟ فوضعت الأموال، فإذا تحت كل ألف درهم شهوة نفس أو إعجاب بصنيع كأنه لفافة من القطن لا تساوي شيئاً، ورجحت السيئات
وبكيَت .. بكيت حتى كادت نفسي تذهب وأحشائي تتقطع . وقلت ما النجاة ؟
وسمعت المنادي يقول : هل بقى له من شيء ؟
فأسمع الملك يقول:

نعم بقيت له رقاقتان …
وتوضع الرقاقتان (الفطيرتان) في كفة الحسنات ، فتهبط كفة الحسنات حتى تساوت مع كفة السيئات.
فبقيت خائفاً .. وأسمع المنادي مرة أخرى يقول: هل بقى له من شيء؟ فأسمع الملك يقول: بقى له شيء
قلت: ما هو؟ …
قيل له: دموع المرأة حين أعطيتها الرقاقتين .
فوزنت الدموع، فإذا بها كالحجر الصقيل وزناً .فثقلت كفة الحسنات، ففرحت فرحاً شديداً ..
وأسمع المنادي كرة أخرى يقول: هل بقى له من شيء؟
فقيل: نعم ابتسامة الطفل الصغير حين أعطيَت أمُه الرقاقتان …
وترجح كفة الحسنات…و ترجح …وترجح..

وأسمع المنادي يقول: لقد نجا … لقد نجا
فاستيقظت من النوم فزعا أقول ما قاله لي أحمد بن مسكين حين رد إليّ إحدى الفطيرتين : لو أطعمنا أنفسنا هذا ما خرجت السمكة . أنهى بلال حكايته قائلاً: – فهمت اللى عاوز اقوله يا فارس كان فارس يستمع وهو يشعر بالفهم يغزو قلبه , وكلما سمع وانصت كلما شعر بالرضا, وفهم مالم يفهم من قبل وقال: – فهمت يا بلال.. أنا كنت عايش علشان نفسى وأحلامى وبس .. وعلشان كده خدت على قد ما قدمت.

*** الفصل الثامن عاد فارس أدراجه إلى منزله وهو شارداً فى كلام صديقه بلال وأخذ يسمعه يصدح فى عقله ويتردد صداه بداخله مرات ومرات ” ربنا بيحبك انه ابتلاك فى الدنيا علشان يفوقك وترجعله.. أحسن ما كان الحساب يجمع فى الآخرة .. وانا مش هتكلم كتير.. أنا هقولك حديث النبى صلى الله عليه وسلم ” و إن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه”

عاد من شروده إلى أرض الواقع دفعة واحدة عندما اصطدم بمهرة التى كانت تعبر بوابة بنايتهم وهى تبكى بشدة وتفرك عينيها , حاول أن يحدثها ولكنها أسرعت للداخل فى غضب , لحق بها ووقف يسد الطريق أمامها وقال بأسف حقيقى: – متزعليش بقى خلى قلبك ابيض.. ده احنا اصحاب من زمان يعنى صاحت وهى تبكى: – برضة مخصماك ومش هكلمك .. وانا قلبى مش بيضا ضحك وهو يقول:

انت في الصفحة 20 من 26 صفحات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
0